هروب الأسرى الفلسطينيين. الصدمة والرعب

0 60

 

  • شريف عبد الحميد**رئيس مركز الخليج للدراسات الإيرانية

كان وقع عملية هروب الأسرى الفلسطينيين الستة من سجن “جلبوع” على إسرائيل، مزيجًا من الصدمة والرعب، حتى إن بعض المراقبين المحليين شبّهوا عملية الفرار الناجحة بما حدث يوم 6 أكتوبر/تشرين الأول 1973، عندما لقيّ جيش الاحتلال الإسرائيلي أول هزيمة ثقيلة له، واصفين الهروب بأنه “يوم غفران” جديد بالنسبة إلى الدولة العبرية!

أصداء عملية الفرار التي تابعها الإعلام الدولي لحظة بلحظة، باعتبار أنها تشبه أفلام هوليوود، طالت رئيس الوزراء الإسرائيلي، نفتالي بينيت، الذي سرعان ما تحدث إلى وزير الأمن الداخلي، مؤكدًا أن “هذا حادث خطير”، يستلزم أن تبذل قوات الأمن جهودًا شاملة للعثور على الهاربين وإعادتهم إلى السجن مجددًا.

الهروب الكبير

تمكنّ الأسرى، محمود عبد الله عارضة، ومحمد قاسم عارضة، ويعقوب محمود قادري، وأيهم نايف كمامجي، وزكريا زبيدي، يعقوب أنفيعات، من الهرب عبر نفق بلغ طوله نحو 40 مترًا، قاموا بحفره في صبر ودأب غير عادييّن، انطلاقًا من دورة مياه إحدى الزنازين، ووصولًا إلى خارج السجن.

عملية الفرار تبدو غير عادية بالمرة، فهي تعيد إلى الأذهان أفلامًا سينمائية عالمية مثل “الهروب الكبير”، فالتقديرات الأولية تشير إلى أن حَفر النفق ربما استغرق سنوات، وليس عدة أشهر كما يرجّح البعض، والتخلص من التراب الناتج عن حفر بهذا الطول ليس بالأمر السهل، خصوصًا أن العملية تمت دون استعمال أي أدوات، باستثناء ملاعق صغيرة مسروقة من مطبخ السجن. لقد انتصر الهاربون على المنظومة الأمنية الإسرائيلية التي تفتخر بها تل أبيب أمام العالم.. بـ “ملعقة”!

لم تقف كل المواصفات التي بُني بها سجن جلبوع، والتشديدات الأمنية، والبنية التحتية ذات التكنولوجيا الفائقة، وعوامل الأمان، والأجهزة الحديثة.. كل ذلك لم يقف عائقًا أمام حصول 6 أسرى فلسطينيين على حريتهم، بعدما تم الحكم عليهم بالسجن مدى الحياة، فقرروا الفرار من هذا السجن، رغم كل التفاصيل المستحيلة التي تمنعهم من محاولة خدش الحائط فقط داخل المعتقل الحصين!

وكشفت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية معلومات جديدة نقلًا عن سجّانة كانت موجودة في برج المراقبة لحظة هروب الأسرى الفلسطينيين الستة من سجن “جلبوع” شديد الحراسة، موضحة أن السجّانة اعترفت للمحققين بأنها كانت “تشعر بالنعاس” لحظة هروب السجناء. وذكرت الصحيفة أنه تم استدعاء كبار المسؤولين في سجن جلبوع للتحقيق، وأن الشرطة تحقق في شبهات حول ضلوع سجانين في هروب الأسرى، كما تشارك وحدة من جهاز الأمن الداخلي “الشاباك”، في التحقيقات الجارية حاليًا على قدم وساق.

فيما نقل الإعلام الإسرائيلي، عن مصدر أمني رفيع المستوى، قوله إن تحرّر الأسرى من السجن يعكس سلسلة من “الإخفاقات الخطيرة”، التي يعاني منها الأمن القومي الإسرائيلي بشكل عام، وليس قطاع السجون فقط.

وتبيّن أن هناك إخفاقات أمنية عدة وقعت فيها سلطات الاحتلال الإسرائيلي، في تأمين سجن جلبوع، من بينها عدم نقل الأسرى بشكل دوري إلى زنازين مختلفة، كل ستة أشهر، مع ضمان عدم الخلط بينهم، خصوصًا أن “زبيدي”، وهو عضو في حركة “فتح”، قدّم بنفسه طلبًا إلى سلطات السجن لوضعه في نفس الزنزانة مع أعضاء حركة “الجهاد الإسلامي” الخمسة الذين هرب معهم في النهاية. كما أن الحراس لم يجروا عمليات التفتيش اليومية التي كان من المفترض إجراؤها، وهو ما سمح للأسرى بحفر النفق دون انكشاف أمرهم طوال هذه المدة.

وأظهرت التحقيقات أن هناك مشكلة أمنية أخرى تتعلق بأمن السجن، وهي أن مخططات بنائه كانت متاحة لأي شخص على الإنترنت، ليراها على الموقع الإلكتروني لشركة الهندسة المعمارية التي شاركت في أعمال البناء، وأن السجن لم يتم إنشاؤه بشكل آمن، نظرًا لبنائه على ركائز متينة، ما يعني وجود “جيوب هوائية” في مواقع مختلفة أسفل المبنى، ويجعل مهمة حفر نفق الهروب أكثر سهولة.

وكشفت التحقيقات عن أن الأسرى الستة ساروا على أقدامهم لمسافة وصلت إلى ثلاثة كيلومترات، حتى وصولوا إلى سيارة كانت تنتظرهم، والتي نقلتهم من المكان في اتجاه مدينة بيسان، وأنهم توقفوا خلال الهروب للتدخين، ومن هناك اختفت آثارهم تمامًا!

وبعد عمليات تفتيش واسعة النطاق، شاركت فيها فرق خاصة من جيش الاحتلال الإسرائيلي، مدعومة بطائرات مروحية ومسيّرات “درون”، في محيط مدينة جنين بالضفة الغربية، وعلى الحدود الأردنية، رجّح الجيش أن يكون اثنان من الهاربين قد انتقلوا إلى الأردن، فيما لا يزال أربعة آخرون موجودون داخل الحدود، ويُعتقد أن اثنين من هؤلاء الأربعة يختبآن في مدينة “مجدل شمس”، وهي مجرد تكهنات غير مؤكدة حتى هذه اللحظة.

من جانبه، قال إسرائيل زيف، رئيس شعبة العمليات السابق واللواء في احتياط جيش الاحتلال الإسرائيلي، إن عملية الهروب مخطّط لها منذ زمن طويل، موضحًا أنّه لا يمكن أن يقوم أحدهم ذات صباح بإزاحة “بلاطة” معيَّنة، فيرى فتحة ويقفز منها، بل هذا شيء خُطط له جيدًا، وغياب أي أثر للهاربين يدلّ على أن أحدًا ما كان ينتظرهم في الخارج، وأن هناك تقصيرًا كبيرًا قد حدث، فالأسرى الستة قد تحرّروا وأخذوا أغراضهم معهم، والسجّانة كانت نائمة في “برج المراقبة”، مشيرًا إلى أن الوجهة النهائية لأسرى “الجهاد الإسلامي” الهاربين يمكن أن تكون هي العاصمة السورية دمشق.

يأتي ذلك، فيما طالبت “هيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينية”، المؤسسات الحقوقية والإنسانية العالمية، واللجنة الدولية للصليب الأحمر؛ بالعمل على كشف مصير أكثر من 400 معتقل فلسطيني، تم نقلهم على عجل من سجن جلبوع إلى أماكن مجهولة، بعد هروب الأسرى الستة بساعات قليلة.

ويذكر أن عدد الأسرى داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي يبلغ 4500 أسير، من بينهم 140 طفلًا قاصرًا، و41 امرأة، موزعين على 23 سجنًا، وذلك وفق أحدث إحصاء أعلنت عنه وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية «وفا» في يوم الأسير الفلسطيني، 17 أبريل/نيسان 2021.

وهناك ما يعرف بـ “عمداء الأسرى”، الذين مر على اعتقالهم 20 عامًا بشكل متواصل، وهم 62 أسيرًا، فيما صدرت أحكام بالسجن المؤبد بحق 543 أسيرًا، وأعلى حكم لأسير من بينهم، هو من نصيب الأسير عبد الله البرغوثي، ومدته 67 مؤبدًا.

برس361

 

 

 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

361 News