درءاً لمؤامرة توطين اللاجئين السوريين: عودوا إلى بلدكم آمنين.. فما للإنسانية للإنسانية وما للبنان للبنان؟ّ برس 361

0 107
مالك معتوق
برغم اتفاق اللبنانيين على عدم الاتفاق حتى مع أنفسهم إلا أنهم يتفقون مع ما يسمى المجتمع الدولي على أن النزوح السوري يرهق كاهل لبنان والدولة اللبنانية والشعب اللبناني، ذلك توصيف “المشكلة”.. لكنهم وعلى عادتهم يختلفون على “الحلول”, ويُخالفون المجتمع الدولي في عودة اللاجئين السوريين إلى وطنهم الأم “سوريا”.

قبل عشرة أيام بالتمام والكمال, في العشرين من حزيران, حلّ ممثل بروكسل عاصمة الاتحاد الأوروبي ضيفا ثقيلا على لبنان والساسة اللبنانيين, يومها زعم الرجل أن اللاجئين السوريين ليسوا عبئا اقتصاديا على البلد العربي الصغير, قبل أن يضيف: إن الحل السياسي هو الحل الوحيد والأوحد لعودتهم إلى بلدهم.. في اليوم عينه اقترح ساكن البيت الأبيض الرئيس جو بايدن توطين لاجئي العالم الذين بلغ تعدادهم 82 مليونا, في دول اللجوء.

قبل خمسة أعوام وتحديدا في العام 2016 صدر عن أمين عام الأمم المتحدة السابق السيد بان كي مون تقريرا, أتبعه أمين عام المنظومة الأممية الحالي انطونيو غوتيريش في هذا العام, 2021, بتقرير آخر, دعا الرجلان في التقريرين دول الاستضافة لإدماج اللاجئين والنازحين في مجتمعاتها بل أكثر من ذلك حث الدبلوماسيان الأمميان في تقريريهما هذه الدول على منح اللاجئين جنسيتها.

ما قاله بوريل وبايدن وبان وغوتيريش يرى فيه مراقبون منطقا تأمرياً, على الدولة في لبنان “إن وُجدت” أن تكسر دائرته, فالكلام الذي نطقت به ألسنة الرجال الأربعة إن بات أمرا واقعا فهو يعني دمار لبنان مرةً واحدةً وللأبد.

لا قدرة للبنان على مجابهة التوطين في أربع رياح الأرض, ولكنه قادر بالحد الأدنى على مواجهته ضمن حدوده، وبغض النظر عن المواقف العربية والدولية فرئيس البلاد ساكن بعبدا الرئيس العماد ميشيل عون عليه الخروج من مربع رفع العتب ونقل الموقف اللبناني من النازحين السوريين من خانة الأقوال إلى واقع الأفعال، عبر مساعدتهم من خلال المؤسسات اللبنانية “إنسانية كانت أم أمنية” على العودة الآمنة المطمئنة إلى ديارهم السورية.

يسكت لبنان عن مؤامرة التوطين خوفاً, خوفاً من العقوبات برغم أنها وقعت, وخوفاً من الانهيار برغم أنه يلتهم لبنان, وخوفاً من الفقر علما أنه عمّ البلاد وأرهق كواهل العباد, وخوفاً من منع المساعدات الدولية برغم أنها توقفت أو تكاد.

لا تجابه مؤامرة التوطين بالسكوت بل بالمجابهة والمواجهة, تُواجه بفرض أمر واقع يعاكس الفعل الدولي الرامي للتوطين ويخلق واقعا جديدا ينطلق لبنان فيه إلى دفع اللاجئين السوريين للانتقال عبر الحدود إلى بلادهم بسطوة القانون, ويرى مراقبون أن هذا الفعل اللبناني إن حدث سيُحرض المحيط العربي ودول العالم على التخلي عن سياسة النعامة بدفن الرأس في الرمال والسير على هدى الخطوة اللبنانية المفترضة بإعادة النازحين بدلا من تحويل أعمدة خيمهم إلى أوتاد بيتونية.

رياح الخطر التي تهب على لبنان من منظومة الأمم المتحدة, مدعومة من العرب وكثير من دول العالم, بالتعاون حتى لا نقول بالتواطؤ مع منظومات المجتمع المدني “لبنانية محلية أو دولية عالمية” والتي تحاول تقديم عملها في جمهورية لبنان كنموذج للنجاح في الإدارة.. لذلك تحاول الاحتفاظ بأكثر من مليون ونصف المليون نازح سوري في حدود مساحة جغرافية صغيرة “لم تتخل ولن تتخلى عنهم”.

ما تفعله الأمم المتحدة والمتعاونات معها من منظمات الـ”إن جي أو” سادية موصوفة, تستخدمها المفوضية العليا للاجئين نموذجا تُحاضر به في أروقة المنظومة الأممية والاتحاد الأوروبي في جنيف السويسرية وبروكسل الأوروبية ونيويورك الأمريكية وغيرها من مدن العالم حول فرادة ونجاح تجربتها اللبنانية في التعايش بين المجتمع اللبناني المُضيف ومجتمع اللجوء السوري المُستضاف التي أزاحت تجربة العيش المسيحي الإسلامي المشترك.

ملامسة ملف اللاجئين السوريين في لبنان إنسانياً فقط هو تكرارٌ للتجربة الفلسطينية ووقوع في فخها, مقاربة هذا الملف بهذه الطريقة خطأ في التكتيك والاستراتيجيا, فموضوع اللجوء السوري قضية سياسية ووطنية إلى جانب كونها إنسانية, نجم عنها كارثة ألمت بلبنان واللبنانيين.

والقضية السياسية لا بد من مقاربتها سياسيا تبعا لثلاث محددات يفوق كل منها الآخر خطورة, أولها مفردات التاريخ السوري في لبنان ونظرة السوريين التاريخية للبلد العربي الشقيق, وثانيها ما يسود منطقة الشرق الأوسط من مخططات الإزاحة الديموغرافية, أما ثالثها فهو محاولات تصنيف السوريين وفرزهم طائفيا ومذهبيا منذ اندلاع الحرب على سوريا.

النازحون السوريون ليسوا مشكلةً لبنانيةً بحتة, بل باتوا جزءً من مخطط انزياح ديموغرافي عام يشمل العراق وبلاد الشام “فلسطين وسوريا والأردن ولبنان”, وهو ما يُفسر الإصرار الدولي على ربط عودة اللاجئين بحل سياسي “ذو صدقية” للأزمة السورية بل ولملفات المنطقة الأخرى.

إعادة اللاجئين من وجهة نظر المجتمع الدولي إلى بلدهم ملف مؤجل حتى إشعار آخر وزمن ترتسم فيه ملامح خطة وخريطة الإزاحة الديموغرافية والبنيوية التي وضعت وتضع بنودها الدول الكبرى لرغبتها في تغيير الأنظمة المناوئة لها في المنطقة, مستندة إلى ما زجت به الشعوب العربية بلدانها من ثورات “الربيع العربي الدموي”، وأسهمت فيه الأنظمة المستهدفة عبر سعيها لتعزيز وجودها بالحديد والنار, بينما دفع الثمن الفقراء المُستضعفون, والبلدان الصغيرة التي لا حول لها ولا قوة, وإن كانت النزاعات والصراعات والحروب أُماً للتغيير الديموغرافي والترحيل القسري فإن هذه بالذات ستكون أباً لحروب جديدة تُشعل المنطقة مجددا.

ما الهدف من الحديث القديم الجديد المتجدد عن التوطين, نسأل في برس 361 الخبير في علم الاجتماع السياسي الدكتور يوسف فخر الدين رئيس مركز أجراس العودة في هولندا والذي يقول: إن الغاية والهدف يمكن تلخيصهما في ستة نقاط:

أولها: تفتيت المنطقة عبر تغيير بنيتها الديموغرافية والكيانية وطمس هويتها الوطنية والقومية, وثانيها: تطويق إسرائيل حمايةً لها بحزام من كانتونات طائفية تشرعن الطرح الصهيوني بأحقية اليهود بدولة يهودية, أما ثالثها: فتقسيم المُقسم عبر تحقيق أحلام الأقليات من الإثنيات والطوائف بالاستقلال أو حتى بالحكم الذاتي للمناطق التي يقطنونها, وهو ما يقود إلى رابعا وهو إفشال كل محاولة لوجود كيانات إقليمية كبرى يكون لها دورا في تقرير مصير المنطقة.

أما خامسا: فضرب مشروع إعادة انبعاث القومية العربية الذي من المحتمل انطلاق قطاره من الشرق وتحديدا سوريا بعد إسقاطها المشروع الصهيوأمريكي على أراضيها.. بينما سادسا وأخيرا فخلق حالة من الإلهاء تعيشها طوائف الشرق ومذاهبه واثنياته وعرقياته بعيدا عن أي توجهات للتكتل.

يتابع الدكتور فخر الدين حديثه لبرس بالقول: لو نحينا الأخوة اللبنانية السورية جانبا, ولو أزحنا العواطف عن كرسي القلب.. “بجردة حساب بسيطة” فبقاء مليون ونصف المليون من اللاجئين السوريين الذين يشكلون ما نسبته 40% من السكان الحاليين للبنان الذي لا تتجاوز جغرافياه الـ”10.452″ كيلو مترا مربعا, ويقبع ما يقارب من نصف مواطنيه تحت خط البطالة “نسبة البطالة في لبنان 47%”, أشبه بالاستحالة.

بقاء هذه المليون ونصف المليون من النازحين السوريين في لبنان الذي تجاوزت نسبة فقر شعبه الـ51 بالمئة, ولامست حدود دينه العام المئة مليار دولار, وخسرت ليرته التي انحدرت من مجرى المال إلى مجاريه 85 بالمئة من قيمتها, بينما نموه فيرزح تحت درجة التجمد “صفر مئوية” مع زيادة في نزيف قواه البشرية التي تنحو للهجرة بحثا عن فرصة أفضل وربما عن وطن بديل “هجرة اللبنانيين منذ العام 2019 زادت بما نسبته 42 بالمئة” يشكل المستحيل الثامن بحسب رجل علم الاجتماع السياسي.

يُقال “كل تأخيرة فيها خيرة” لكن هذا لا ينطبق على قصة اللاجئين السوريين في لبنان وفقا لرئيس مركز أجراس العودة للدراسات, والذي يقول: إن كل يوم يتأخر فيه السياسيون اللبنانيون عن التوافق على إعادة النازحين إلى سوريا يعني ارتفاع نسبة المخاطرة سواءً على السوريين النازحين, أو على لبنان الذي يستضيفهم, خاصة مع “الخربطة” الأمنية التي تضرب البلاد تحت وطأة الفقر والتدهور المالي والاقتصادي والتي إن انفجرت فستأكل أخضر لبنان ويابسه كما ستأكل لحم النازحين السوريين الحي.

يختتم الدكتور فخر الدين كلامه لبرس بالقول: مع اندلاع الحرب التي عصفت بسوريا منذ عشرٍ من السنوات, وفد إلى لبنان من السوريين ما يفوق طاقة البلد, لكن سوريا تنفض اليوم عن كاهليها غبار الحرب والتعب, وباتت بلدا آمناً يستطيع استقبال ابنائه على أراضيه المُحررة من الإرهاب.

استقبل لبنان السوريين في زمن الحرب درءا لخطر القتل في القتال عنهم، واليوم يتوجب مطالبتهم بالعودة إلى وطنهم الأم “سوريا” دفعا لخطر وقوعهم في مزيد من الفقر والإذلال حال بقائهم في لبنان, ونسجا على مبدأ ما لقيصر لقيصر وما لله فـ لله, يكون لبنان فد أدى الأمانة واحتمل ما لم يحتمله أي بلد عربي أو غربي في قضية اللجوء السوري, وبات لزاما أن يكون ما للإنسانية فللإنسانية وما للبنان فـ للبنان.

انضم الى صفحتنا على فيسبوك

برس 361

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

361 News