الكلمة في لبنان: كانت “تُحَنِن” لكنها باتت “تُجَنِن”.. كلماتٌ عن إعلام الدم! برس361

0 52
مالك معتوق
ظاهرةٌ غريبةٌ عجيبةٌ مقلقة, هي تضخيم كل ما جرى ويجري في لبنان إعلامياً, ظاهرةٌ تلوكها الشاشات, لبنانيةً وعربيةً وعالمية, وهي تُرسِل عاطفتها مدراراةً كمطرٍ منهمر, تجود بها على اللبنانيين مبادراتٍ ومساهماتٍ وضغوطات, في مسعىً لانتشال أهل لبنان من نفقهم المظلم الذي يعمهون في ليله البهيم.

من كبائر ما يُثير كوامن النفس وشجونها هي النزعة الانتقائية التي يمارسها الإعلاميون, الذين لا يختارون إلا مصائب وخرائب وانفجارات لبنان والعالم العربي والكوكب الأزرق.. تستشري هذه الظاهرة الخطيرة المستعصية التي تحمل معالم السادية كسرطان قاتل, يحتاج علاجاً جمعياً لـ”أنا” الإعلاميين المتضخمة التي تحكمهم وتتحكم بهم, بعد أن تورمت “أنا” السياسيين الذين يرفُلون في جلباب السقوط الأكبر.

تجاوزت سلطةُ الإعلام اللبناني وإعلامييه وحجمهم ممالك الطوائف اللبنانية وأحزابها وبيوتاتها السياسية, كما تغولت متجاوزة كل قدرات اللبنانيين على احتمال أخبار القتل والخطف والاغتصاب والنشل والسرقات الليلية والنهارية ومشاهد الدم المتدفق من فيديوهاتٍ حية, أفرغت صيدليات لبنان من كل حبوب الأعصاب والمهدئات التي تمنح شعب لبنان أياما من نوم هانئٍ هادئ.

على طرفٍ نقيض, تثير أخبار القتل والخطف والاغتصاب والنشل والسرقات الليلية والنهارية ومشاهد الدم المتدفق من فيديوهاتٍ حية, نشوةً ما بعدها نشوة عند بعض الإعلاميين ولدى كثيرٍ من الإعلاميات اللواتي ينقُلن عبر برامجهن التي تبثها الشاشة الصغيرة, مشاهد الموت وحوادث القتل وجرائم الاغتصاب.

ظاهرةٌ غريبةٌ عجيبةٌ مقلقة, لأن المرأة تحمل في جينات تكوينها حباً للحياة وتحملاً لمشاقٍها وعطاءً لا يحده حد يتناقض مع الميل إلى العنف على عكس نظرائها في الإنسانية من الرجال.. لكن صورة الإعلاميات في لبنان تخالف هذه الصورة وهذا يجب أن يكون موضِعُ درسٍ وتحليل.

يغيب عن حفلات الردح وعن العزف المنفرد والجماعي لجلسات السب والشتم والقذف والتحقير وشد الشعر ونتف الريش في الصحف والمجلات والتلفزيونات والإذاعات, كل من المجلس الوطني للإعلام ونقابتي المحررين والصحفيين ووزارة الإعلام, بينما يغرق القضاء اللبناني من رأسه حتى أخمص قدميه في فصل قضايا ودعاوى أصحاب المحطات على أصحاب المحطات ورواد الشاشات على رواد الشاشات والاعلاميين على الاعلاميين والاعلاميات على الاعلاميات والسياسيين على الاعلاميين والاعلاميات ورواد الشاشات وأصحاب المحطات.

لا حل ولا حلحلة لِصَرَعِ الإعلام اللبناني ولا خلاص من عصفورية الإعلاميين والاعلاميات من اللبنانيين إلا بميثاقِ شرفِ جديد, تمهُرُه جميعُ الطوائفُ والأحزاب, والإعلاميين والاعلاميات وأصحاب الشاشات, يكون سابقا لتشكيل حكومة لبنان العتيدة الجديدة ومستبقا أي انتخابات برلمانية.

كصحفي أرفضُ كُل أشكال الرقابة.. مع أن الرقابة في عصر العولمة الالكترونية وطوفان مواقع التواصل الاجتماعي وتفشي منجزات الذكاء الصناعي صارت مفروضة.. أما لبنانيا فما يدعو للأسى والأسف أن قوانين الرقابة وإن تغيرت الأسماء من “عهد الشرف” إلى “ميثاق الشرف الإعلامي” إلا أن مضامينها واحدة موحدة منذ ما يجاوز الـ 77 عاما.

الخطير ألا سلطةً قانونية لهذه المواثيق والعهود, أما الأخطر ما بين “عهد الشرف وميثاق الشرف” فهو أن تطفو على سطح تاريخ الدولة اللبنانية وأدبياته سياسية كانت أم دستورية وحتى إعلامية جُملتان لا ثالث لهما وهما: لجم الحملات الإعلامية ووقف النار.

فتش أنى شئت وحيث شئت فلن تعثر على ورقةٍ واحدةٍ أو وثيقةٍ من الوثائق التي رسمت في لبنان سياسات التوافق بين الأفرقاء والطوائف إلا وستقرأ في رأس الصفحة وفي البند الأول وعلى أول سطر: لجم الحملات الإعلامية ووقف النار.. عجبٌ عُجاب.. أليس كذلك؟

في كل الوثائق, في البدء كانت الكلمة فهل تبقى؟!.. فالكلمة تسبق النار, واليراع يسبق الحسام المهند, والإعلام يسبق المدفع فهل يبقى؟!

قبل أعوام أُضيف إلى الكلمة والقلم والجرائد والقنوات التلفزيونية “أرضيةً وفضائية”, مواقعُ التواصلُ الاجتماعي التي باتَت أتوناً لحربٍ طاحنةٍ تستعر بين الحزبيين والمحازبين للأحزاب, وتحولت مِرجلاً تشتعلُ فيه نيران العداء بين انصار الطوائف وداعمي ملوكها.

كانت الكلمة في لبنان “تُحَنِن” لكنها باتت “تُجَنِن”.. خاصة أن كلمات اللبنانيين مشتعلة، وإن أتت من فراغ إلا أنها لا تسقط في الفراغ, وتستعيد الذاكرة معها عهود الشرف ومواثيق الشرف التي كانت تعقُب اشتعالاً أمنياً أو إعلامياً بين أفرقاء لبنان.. يستمرِءُ فيه الصحفيون والكُتاب والإعلاميون المحسوبون على الأحزاب “لكل حزب قناته وصحيفته أو على الأقل موقعه الإلكتروني” قدح الزناد, فيُشعلون الوطن المُلتَهِب أصلاً ليغدو معهم وبهم وكأنه ساحةُ صراعٍ يحكمها قانون الغاب.

المطلوب اليوم في لبنان ميثاقُ شرفٍ إعلاميٍ يَلجُم, قبل أن تبدأ الأحزاب بتنظيف مدافعها وسن سكاكينها ومتابعة تدريب عسكرها في سهول لبنان وجباله, المطلوب اليوم في لبنان ميثاق شرفٍ إعلامي يَلجُم, قبل الخراب الكبير.

المطلوب اليوم في لبنان ميثاق شرفٍ إعلامي يَلجُم وينزع صواعق التفجير التي يعمل الكبار والصغار من إعلاميين وسياسيين بل وأحيانا من مواطنين على إشعالها بخطبٍ وتصريحاتٍ وبياناتٍ ومقالاتٍ ووجباتٍ إعلاميةٍ سريعةٍ مُلتهبةٍ تُحرق لبنان رويدا رويدا وتدفع اللبنانيين من عابري الطائف والطوائف لحمل قلوبهم بين أيديهم خوفا على لبنانهم.

لبنان على مرمى حجر من طوفان الرصاص وشلال الدم, فمُحرك الحرب “الإعلام” فقد رسالته ورُسله, وحمل رايتًهُ المتهافتون, من يرون في الخبر وسيلةً لتعزيز الخلاف وتعميقه, من يُحولون الخبر إلى قضيةٍ خلافيةٍ كبرى أنى صغُر, مختالين بسطوتهم وسلطتهم, بينما اللبنانيون فعيونهم معلقة بقلاع السياسيين المنغلقة على ذاتها, العازلة لساكنيها في قبابهم العاجية, الذين يُقفلون عقولهم وقلوبهم وأرواحهم عن الحوار.

يتمترس اللبنانيون أمام شاشاتهم متشبثين بـ”ريموتاتهم” يتابعون برامج الشاشة الصغيرة وأخبارها، تُذهلهم خطورة الإعلام و وتُبهرهُم قوته, وكأنه طودٌ عظيمٌ مُرعب لا تبلغه إلا الجوارح من الطيور أو الزواحف من الحيوانات.

يترنح الإعلام في لبنان بين طيرٍ جارح يرى فيه مرتعا لمغامراته وتحقيق ذاته, وبين زاحفٍ يرى فيه جبلا عاليا يتزلج على ثناياه, أما السياسيون فينظرون للإعلام سنداً ونصيراً يُلمع ما يسكنونه من قصور، أما البسطاء من اللبنانيين فيحترقون بحطب الإعلام وناره, فيما يحتمي في ظله لصوصٌ وقطاعُ طرقٍ وهاربون من وجه القانون وعدالته.

هذه الزوايا التي ينظر كل من اللبنانيين على اختلاف مواقعهم ومكاناتهم منها إلى الإعلام والكلمة, لا تعدو أن تكون أمراً طبيعياً في سيكولوجية النفس البشرية, لكن أن يعتبر كل من هؤلاء، أن إعلامه هو الناطق باسم الحرية ورافع راية الديمقراطية وحامل لواء المسؤولية، فهو أمرٌ يؤكِد بأن هذه البقعة الجغرافية من الأرض التي تُسمى لبنان، بخلاف ما على هذه الأرض من دول ودويلات وممالك وسلطنات وإمارات وجمهوريات, لا تزال بلداً لا “تعرف رأسها من أساسها”, ولا يعرف من يسكنونها وتسكنهم من أين تبدأ وإلى أين ستنتهي, وإلى أين ستقودهم الأقدار وماذا تخبئ لهم الأيام من مخاطر في المستقبل.

انضم الى صفحتنا على فيسبوك

برس 361

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

361 News
ابراج اليوم الثلاثاء –27 يوليو 2021 برس361″ الاستشارات النيابية ستبدأ غدا بقيادة ميقاتي هذا مابحثه جنبلاط مع وفد الشيوخ الفرنسي! وفد فرنسي في ضيافة الحريري.. هذا ماتم بحثه ! الحريري وميقاتي في بيت الوسط.. هذا ماتم بحثه! "لقاء سيدة الجبل": تشكيل حكومة يخضع لشروط.. فمن المقصود؟ حصيلة كورونا لليوم ميقاتي بعد التكليف: لم أقبل لولا الضمانات الخارجية!! السيد: لا نريد رئيس حكومة بدلاً عن ضائع!! الصمد من بعبدا: لهذا السبب سميت ميقاتي! كيف يساهم العنب في فقدان الوزن؟ كيف تجعلين زوجك عاشقاً لك وللجلوس معك!! ماذا سيحدث إذا توقفت الأرض فجأة عن الدوران؟ كتب ينشرها الأمير هاري عن حياته داخل العائلة الملكية قريباًً! الفنان اللبناني وائل كفوري متهم بالسرقة!! نجوى كرم تشوق جمهورها صراخ الرضيع.. متى يستلزم استشارة الطبيب؟ تعرفوا إلى فوائد صابونة الكركم للبشرة الدهنية!! 5 أخطاء ترتكبينها عند إزالة المكياج...ماهي؟ شقيق ياسمين عبدالعزيز غاضبا...مالقصة؟ بيان هام من وزير الاقتصاد بشأن الدولار.. هذا ماجاء فيه! أزمة المحروقات: ارتياح في البنزين ماذا عن المازوت؟ “الأحرار” يفضح عكر: ماذا طلبت من السفارة القبرصية! مكالمة عون وميقاتي.. ما المضمون؟ فرنسا متفائلة: فرصة ثمينة! استشارات التكليف عند العاشرة والنصف ابراج اليوم الأثنين –26 يوليو 2021 برس361″ "اللقاء الديمقراطي” تقرر من ستسمي غداً.. فمن هو؟ التحليلات كثيرة والتوقعات أكثر.. منير: قد يتكلف ميقاتي ولكن!! مشاورات بيت الوسط: ندعم ترشيح ميقاتي في الاستشارات النيابية.. بشرط!!