بحبك يا لبنان.. من أين للبنانيين برجلٍ قادر على ترميم الشظايا؟! برس361

0 22
مالك معتوق
لبنان الواحد الموحد بات كما الغول والعنقاء والخل الوفي, موجود في حكايات الجدات فقط, باتت وحدته كما أموال مودعيه جملة اسمية بعيدة عن صيغة الفعل, صار الوطن اللبناني الكبير, كالليرة اللبنانية, قيد التداول لكنه بلا قيمة شرائية حقيقية.

تحول لبنان الدولة, طفلا بلا أنياب ولا مخالب, بعد أن قُلمت أظافره وخُلِعت أسنانه, وقُص شعره, فبات عاريا وأبناؤه عراة لا يحميهم أو يغطيهم سوى الغلاف الجوي للكرة الأرضية.

أمسى لبنان دولة بلا قانون ولا من يحزنون, يفتك به الردى, والردى وحشٌ طائفيٌ مدمى الأنياب, تتقاسمه, المذهبية المقيتة, بعد أن غابت مناعته الوطنية, وتبخرت الهوية الجامعة عن مفردات مكوناته العرقية والاثنية والمناطقية والاجتماعية.

يدفع اللبنانيون ولبنانهم اليوم ثمن المحاصصات والمناكفات والمناكدات التي تملأ جيوب جيفة طبقتهم السياسية, يدفعون ثمن الولادة المتعسرة للنظام العالمي الجديد وثمن تعثر ولادة النظام الإقليمي الجديد.

مما يُبكي فيدمي أن لا الدول الكبرى ترى ضرورة في وضع بلد متهالك مستنزف محترق بات محرجا لها تحت جناحها, ولا الدول الإقليمية ترى نفعا في الحفاظ على لبنان واحدا موحدا في كنف دولة مركزية قوية مع تفجر الحكم المناطقي الذاتي في بقاع عديدة في المنطقة, بعد أن صار البلد ونخبه متعبا لها.

وما بين قوى العالم العظمى ودول الإقليم الكبرى, تلمع في الأفق اللبناني تساؤلات فئات معتبرة من اللبنانيين عن جدوى العيش المشترك في بلد من ورق, موحد على الخريطة وممزق مقسم على الأرض.

“وآخر طب الكي”, لم يكن ينقص لبنان إلا بشارة البنك الدولي بأن البلد غارق من قمة رأسه حتى أخمص قدميه في وحل الانهيار الاقتصادي الذي انحدر بلبنان من مجرى الاقتصاد العالمي إلى مجاريه بعد أن صنف البنك الدولي أزمته الاقتصادية والمالية واحدة من أسوأ عشرة أزمات مرت على الكوكب الأزرق منذ منتصف القرن التاسع عشر بعد ميلاد المسيح.. “صدر تقرير البنك الدولي في الأول من حزيران 2021”.

“العوض بسلامتكن أو سلامة راسكن”.. كلمات يقولها المعزون لأهل الميت, لم يمت لبنان لكن أصواتا تتعالى بأن “الرجل المريض” باتت أيامه معدودة, وما على ورثته إلا أن يستغلوا المسافة الزمنية بين احتضاره وموته “ليوكلوا محاميا شاطرا” ليسرع اجراءات حصر الإرث ويبدأوا في رسم ملامح حياتهم ما بعد إعلان نبأ الموت.

تساؤلات كثيرة ومثيرة يطرحها لبنانيون مستبقين موت لبنان.. ما شكل الدولة اللبنانية البديلة؟.. وهل ستكون أي دولة أو دويلات بديلة خير من دولة لبنان الكبير؟.

هل أهل المريض المتفقين على ألا يتفقوا, قادرون على التوافق على شكل البديل وهم من اختلفوا على الوطن الأصيل؟.. هل يتوافق الساسة اللبنانيون على حصر الإرث وهم من سرقوا كل الإرث؟.. هل بإمكانهم العيش في حدود مناطقهم الصغيرة وهم من ضاق عليهم لبنان الكبير لا بمساحته بل بأفقه وثقافته وحضارته.

السؤال الوجودي في لبنان, لا مساحة الأرض بل مساحة الحضارة, فلبنان الكيان هو كيان الحرية, وأحرار لبنان عابرون للطوائف, تضيق الأرض عليهم بما رحبت إن حكمهم الاستبداد وغاب عنهم فضاء الحرية الأوسع مساحة.

من التاريخ اللبناني نذكر أسطورة أليسار الفينيقية تلك الملكة التي رحلت عن صور لثمانية قرون خلت قبل الميلاد لتبني مملكتها في قرطاجة انطلاقا من مساحة أرض عندما غطتها ما كانت تتجاوز مساحة جلد ثور, فقط لتبقى حرة..

لا خوف على لبنان من التقسيم لكن الخوف كل الخوف من اختصار لبنان, ولا خوف على لبنان من التمييز العرقي أو الطائفي بل الخوف كل الخوف من التمييز الحضاري, والاختصار والتمييز الحضاري هما ما دفعا اليسار لترك لبنان بحثا عن الحرية.

في لبنان يتنازع طرحان.. فريق يتمسك بشكل الدولة الحالي دون أن يقدم براهينه وحججه الدالة في نجاح التجربة الفريدة وقدرتها على حفظ لبنان واحدا موحدا, ناسين أو متناسين أن التمسك ببقاء دار لقمان على حالها دون إعادة هيكلتها وهندستها لتوافق متطلبات المرحلة يعني العيش في صيغة “هذا ما وجدنا عليه أباؤنا”.

في لبنان فريق آخر يرى أن لبنان الكبير بات شكلا هندسيا مفرغا دون مضمون, ويعتبر أن العيش على أطلاله صار مستحيلا, لكنه “أي هذا الفريق” لا يقدم شكلا مقبولا للبديل.. لا صيغة بين أيديهم سوى الفدرلة عبر لامركزية واسعة لا فرص لنجاحها ما لم تكن خيولها التي تقودها أصيلة وقوية.. وفاقد الشيء لا يعطيه, فخيول لبنان السياسية مريضة بالطائفية وهي لن تقود البديل الفدرالي إلا إلى الهاوية.

نعم ما عاد لبنان الكبير كما كان، لقد بات صغيرا في الجغرافيا والحرية, بل أصغر مما كانه يوما, يوم كان صغيرا, بعد ان اخترقت لحمه وعظمه ورشقت في لحمه رصاصات الطائفية.

مشكلة لبنان لم تعد في انفصال أطرافه عن الجبل “جبل لبنان” الذي كان يوما نقطة قوة لبنان, ليغدو اليوم أساس ضعفه, حتى باتت الأطراف تحاول نهشه قضمه وضمه “الجبل قلب لبنان ومحاولات قضمه تعني موت الجسد هكذا بكل بساط”, وإنقاذ الجبل يستحق أن يقف من لهم عينين فيروا ومن لهم اذنان فيسمعوا أمامه طويلا”.

دفاع بعض اللبنانيين عن لبنانهم الكبير, يبرره بقاء لبنان موحدا حضاريا, بحضارييه الفاعلين الرواد العابرين للطوائف, فديمومة جبل لبنان التاريخي تعني بقاءه محورا يدور في فلكه كيان لبنان أيا كام شكل الدولة والكيان.

دفاع بعض اللبنانيين عن لبنانهم الكبير, يبرره رفضهم ان ينحدر لبنان مبتعدا أكثر عن غايته ودوره الحضاري الذي ناضلت الكنيسة المارونية في العام 1920 لتأسيسه, ويبرره أيضا رفضهم أن يصير لبنان دولة اللاشرعية, وأن يغطي دستوره شرعيا كل ما هو لا شرعي.

قيمة لبنان الكبير في تعدديته, ولكن في حدود الدولة الواحدة الموحدة, التي يجمع ابناءها الولاء للبنان الوطن لا لدول غربية وشرقية عربية وأجنبية, ولا قيمة للبنان الحضاري التعددي إن أفرز دويلات طائفية تعيش على هامش المنطقة والتاريخ.

في لبنان فئات ربطت خياراتها بمشاريع طائفية بعيدة عن الوطنية, ضاربة بعرض الحائط أسس القيامة اللبنانية, محاولة تفتيت الكيان اللبناني, والهدف فرض اجنداتها وشروطها لإعادة تشكيل لبنان الكبير, إما في البقاء موحدا ولكن بشروطها, أو في البحث عن أشكال دستورية جديدة, يرفضها الحضاريون في لبنان لأنها خارج سياقات الوطن والتاريخ ولا تصلح جملة وتفصيلا لتعيش في القرن الواحد والعشرين, “هذه الفئات للأسف تفضل أن تُغير لبنان على أن تتغير من أجل لبنان”.

لبنان الكبير خلطة سحرية من امبراطوريات الشرق وشعوب الشرق وهويات الشرق المتعددة واديان الشرق المتكاملة, لبنان الكبير خليط جميل من صحارى الشرق وبحاره وجباله, وكتبه وقصصه وأشعاره.. هذا ما أراده المؤسسون لكن الورثة كانوا غير موفقين, فأدخلوا لبنان الكبير في زمن الارتهان وزمن الأكثريات والأقليات والعصبيات المذهبية والطائفية.

لا ينكر عاقلان أن التجربة التي سادت في العقود الماضية والتي قامت على التعايش بين قوميات وإثنيات وعرقيات الدولة الواحدة تتقهقر في عديد البلدان حول العالم, خاصة في الدول التي يسود فيها التطرف لا سيما التطرف الديني والعرقي “اسرائيل والعراق نموذجا”.

يكفي ان نذكر في هذا القام من المقال ان انجيلا ميركل قالت قبل عقد من الآن وتحديدا في السابع عشر من تشرين الأول من العام 2010 أمام شبيبة حزبها “الديمقراطي المسيحي” إن النموذج الألماني المتعددَ الثقافة حيث تتعايش أنماط حياة متنوعة فشل فشلا ذريعا.

كما أن عالم الانسانيات الأمريكي كليفورد جيرتز دعا إلى استباقِ انفجار الأنظمة الديمقراطية المركزية بتكوين وحدات متجانسة تلتقي في ما بينها لتحافظ على وحدة الأمة.

في ضوء ما قيل.. لا خلاص للبنان التعددي المختلف إلا بإعادة ترميم شظايا الدولة المتفرقة في قالب جديد يحمي حضارته وهذا ما لن يكون إلا بِتَسَلُم رجل قادر على رسم الجغرافيا والتضاريس الوطنية اللبنانية مجددا زمام المبادرة ليقود العربة اللبنانية.. فأين للبنان بهذا رجل؟!

انضم الى صفحتنا على فيسبوك

برس 361

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

361 News
ابراج اليوم الأربعاء – 16يوينو 2021 برس 361 “ أسرع الطرق لعلاج الصداع..! حفل زفاف يتحول لمأتم.. وفاة جدّة العروس و3 من أقربائها ! المحطة الفضائية الروسية رأس جسر للرحلات إلى كواكب أخرى! تسريبات "أندرويد 12" تكشف ميزة استثنائية في الاتصالات! إعلامية تعلن إصابتها بالسرطان على الهواء !! نجم ذا فويس كيدز: لم أقصد غرس مفتاح سيارة برأس زميلي الممثلة كريستين بيل تتعرض لتهديدات من ابنتها!! فوائد لا تتوقعها لتدليك البشرة!! 4 علامات على يديك تشير إلى الإصابة بالقاتل الصامت!! الفنان كريم الحسيني يحتفل بمرور 12 عاما على شفاء زوجته التقدمي يتبرأ من تغريدة نسبت لجنبلاط.. وهذا فحواها؟! نقولا يضرب مجددا.. هجوم على الحزب وأمينه العام: أنتم متهمون! الأسمر يكشف ما يدور في الخفاء عن ربطة الخبز! الرئاسة: ممر وحيد لتشكيل الحكومة ويعلمه الحريري عون: لن أحيد عن الثوابت ولن أخضع لمحاولات الابتزاز بري للحزب عن باسيل: حطوا لدلعه حد! عكر من قطر: أنقذوا لبنان عون يستل سيف الإمام علي على الحزب: انتو معي أو ضدي؟ اللواء ابراهيم يطير موسكو بري يرفع سقف التحدي.. وباسيل: "عيني فيا وتفو عليا" الحريري وتخريجة جديدة قبل الاعتذار.. وهذي التفاصيل؟! ابراج اليوم الثلاثاء – 15يوينو 2021 برس 361 “ وفد عربي إسلامي في ضيافة الأسد.. هذا ماتم بحثه! مع تبدد الآمال حول مبادرة بري.. إلى الانهيار سائرون! حركة "أمل" تجتمع اليوم.. هذا ما بحثته! بعد دياب.. عكر إلى قطر، والهدف: مساعدة لبنان! "أمل بري إلى التبدد والزوال".. خراب كبير لا تحمد عقباه! القلب الفرنسي لا يهوى سوى الحريري.. "فلا تحلموا كثيرا"! لا إنسانية الغرب تجاه سوريا.. تستفز بوتين!