كي لا تُسرق انتفاضة القدس

0 139

أحمد حسن

ربما كان أفضل نتيجة لانتفاضة القدس الجديدة في ظل الظروف الموضوعية المشينة التي تظلل الأمة اليوم هي القول، بصوت أبناء أراضي الـ”48″ أولاً وقبل أي أحد آخر، إن معركتنا اليوم هي معركة إبقاء جذوة القضية مشتعلة، وإشعار الجميع، الأصدقاء قبل الأعداء، أنها لم تمت ولن تموت، فالمسألة ليست صراعاً حدودياً على أمتار هنا، وخط أخضر أو أحمر هناك، وليست قضية القدس وحدها، أو الصلاة في المسجد الأقصى على أهميتها ورمزيتها، بل هي صراع وجود لشعب كامل، وما الاعتراف الأمريكي السابق بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل، إلا تعبير دقيق عن فهمهم لهذه المعادلة، وما تعامي البعض منا عن ذلك سوى جهل تام بأس الصراع وحقيقته، أو مشاركة واعية للقاتل في جريمته المقصودة، وبالتالي ليس المطلوب اليوم تعديل سياسة هنا ومنح حق هناك، و”لا توفير ضمانات من هذه الجهة العربية أو الدولية لعدم التعرض للسكان الفلسطينيين”، بحسب تعبير إبراهيم الأمين.

بهذا المعنى يصبح وعي “لحظة القدس” هذه بكل أبعادها وآثارها الداخلية والخارجية، بداية تصويب للبوصلة نحو الوجهة الحقيقية، وطريق انتصارنا ومقتل أعدائنا الداخليين والخارجيين في الآن ذاته. وبهذا المعنى أيضاً تصبح شروط “حماس” التي طرحها رئيسها في خارج فلسطين، خالد مشعل، لوقف التصعيد العسكري أمر خارج هذا السياق وعودة لما اعتدنا عليه في المواجهات السابقة، بل يمكن القول إنها تبدو وكأنها اهدار جديد لقدسية الدم الفلسطيني الذي أريق، ولا زال، هذه الأيام على مذبح الحق الكامل لا المنقوص، وإلا ما معنى شروط مثل “خروج الاحتلال من الأقصى، والسماح لشعبنا والمصلين بحرية العبادة والتواجد في المسجد الأقصى”، و”التوقف عن جريمتهم بتهجير أهالي حي الشيخ جراح”، و”الإفراج عن المعتقلين الذين اعتقلتهم قوات الاحتلال في التصعيد الأخير”، و”يوقفوا عدوانهم عن غزة” كما قال، سوى أنها شروط تطلب من دولة “احتلال عادي”، لا الغائي اقتلاعي، في سياق نزاع داخلي، فإذا تحققت يعود كل طرف إلى ما اعتاد ممارسته سابقاً وكفى الله المؤمنين بـ”غزة” إمارة ودولة، ووقاهم من “شرّ” التحرير الكامل والناجز لفلسطين التاريخية من البحر إلى النهر؟؟!!.

هكذا نفهم تتالي الأحداث الدائرة أمامنا على صورة ما اعتدناه سابقاً في المرات المشابهة، فلم تخرج إسرائيل عن مألوف عادتها في العدوان والاستمرار في قصة تهويد القدس، ولم يخرج “نتنياهو” عن مألوف عادته في الكذب على “جمهوره” أولاً والآخرين ثانياً، كما لم يخرج الصهاينة العرب، دولاً وأفراداً وجامعة عربية..!!، عن مألوف عادتهم في المزايدة على “الإسرائيلي” والوقوف على يمينه في مسألة التهويل من أفعال وقدرات العدو، والتهوين من شأن أي عمل مقاوم ضده، بل وواصل بعضهم قضية التنسيق الأمني معه، ربما لحمايته من تطرفه!!، ويجدر بنا هنا التوقف عند موقف الجامعة العربية باعتبارها موقف من يمسك بزمامها اليوم من عرب الردة، فهي لم تجرؤ أن تطلب من أعضائها أن يقفوا من “الشقيقة” إسرائيل الموقف ذاته الذي وقفوه من سورية وليبيا حيث سارعوا لقطع العلاقات السياسية والاقتصادية معهما ودعوا العالم لاحتلالهما وتدميرهما رأفة بشعبيهما كما قالوا حينها.

كما لم يخرج الغرب عن نفاقه المعتاد في هذه القضية و”استيقاظه” الوظيفي والمتتالي منذ عقود على ضرورة حلّها وفق الشرعية الدولية!! بل والطلب من إسرائيل ضبط النفس وكأن جرائمها الموصوفة مجرد رد فعل مغال به على جرائم فلسطينية مقابلة ليتساوى بذلك الضحية والجلاد كما في كل مرة سابقة.

بهذا المعنى كان لهبة القدس وما تلاها والتي تمت في ظل استنفار وجهوزية “إسرائيلية” كاملة أن تصيب عدة عصافير بصواريخ عدة، فهي وإن أعادت الألق لجملة “إٍسرائيل أوهى من بيت العنكبوت” ولكن من الداخل هذه المرة، وهذا خبر مقلق جداً للكيان الصهيوني، فقد أعادت التأكيد على حقائق عدة نعيها جميعاً ولكن الضخ الإعلامي الهائل والمعاكس كاد أن يطمسها نهائياً، أولها، أن “التلاحم العربي الصهيوني”، و”المصير المشترك”، كانا، كما العادة، مذهلين في قوتهما واستمراريتهما منذ إنشاء الكيان، وحتى قبله، لكن انتفاضة القدس الحالية بشمولها أراضي 1948 وأجيال ما بعد النكبة، والنكسة أيضاً، تعني اهتزازاً في صورة الكيان الحليف القوية، وشرخاً في هيبته، وهذا، بمجمله، خسارة فادحة لهم أيضاً، وخطوة في سياق المستقبل الطبيعي للمنطقة.

وثاني هذه الحقائق، المقاومين و”المقاومة” لم يعودوا يبالون أو يهتمون بما يصدر عن “عرب”، من العاربة والمستعربة، أو عن “جامعتهم” التي أكملت معهم، وبهم، منذ زمن دورة التحوّل إلى ظواهر صوتية خالصة، لأن كلفة المقاومة – وهي الحقيقة الثالثة – أقل بكثير من كلفة الاستسلام، على مختلف الصعد والجهات.

خلاصة القول، لا مستقبل طبيعي للمنطقة في ظل الوجود الإسرائيلي، ولا وجود لإسرائيل في مستقبل طبيعي للمنطقة، لكن لا أيضاً لا انتصار لفلسطين ما دام “المقاول” الداخلي والخارجي يمسك بزمام القضية على حساب المقاوم الحقيقي.

لذلك كله، هذا صراع مستمر، وهذه جولة واحدة، لكنها هامة للغاية وموجعة جداً للكيان الصهيوني وحلفائه، فقد أسقطت أوهاماً كثيرة، -وصول الصواريخ الفلسطينية إلى القدس وتل أبيب أمر فارق بامتياز- والمهم ألّا يسمح المقاوم للمقاول أن يسرق انتفاضة القدس هذه.

انضم الى صفحتنا على فيسبوك

برس 361

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

361 News