“لا تتسولوا حريتي”.. الثائر الأحمر جورج ابراهيم عبدالله “أنا مناضل ولست مجرما” برس 361

0 43

برس 361 – مالك معتوق

مشهد بسيط .. تلة مرتفعة نائية في جبال البيرينيه، جدران أربعة لزنزانة صغيرة بمعتقل “لانميزون”، هناك يقبع جورج إبراهيم عبدالله, تلك الجدران تعرف جورج جيدا ويعرفها، فهو من علمها الصمود والمقاومة، وهي من تشهد اليوم على أفكاره التي كان يصرخ بها في ساحاتٍ لم تستطع نسيانه أبدا.

لاحظوا الاسم: “جورج عبد الله” اسم يجمع النقيض إلى النقيض دون حرج, يحمل بصورة أساسية مكونات الهوية العربية “المسيح ومحمد”، أما رؤيته واختياره فقد واكبا عصره, فهو يساري ماركسي.

في ثمانينيات القرن الماضي كان الثوريون يتبادلون طرفة عندما بزغ نجم اسم جورج عبد الله في وسائل الإعلام .. كانوا يتندرون بالقول إنه زمن جورج، جورج حاوي أمين عام الحزب الشيوعي اللبناني، جورج حبش أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، جورج مارشيه أمين عام الحزب الشيوعي الفرنسي وآخرين.

في التاريخ ليسوا كثر من أمضوا 37 عاما داخل أكياس السجون, هناك الروسي الثائر باكونين في القرن التاسع عشر، وكريم يونس و البرغوثي نائل في سجون الكولونيالية الاستيطانية الإسرائيلية

وقادة الحزب الشيوعي الاندونيسي المحتجزين في جزيرة معزولة “قام نظام البرجوازية اليمينية الحاكم بإعدامهم بعد ذلك”، وذلك القائد الشيوعي من كوريا الجنوبية, الذي سألته صحفية بعد إطلاق سراحه: “لقد انهار الاتحاد السوفييتي هل لا زلت مؤمنا بخيارك الاشتراكي؟”، أجاب: سألتُ عن ناطحات السحاب في سيؤول، هل هي للبروليتاريا التي بنتها أم للرأسماليين؟

ولأنها ما زالت للرأسماليين فأنا على مشروعي الاشتراكي, وهناك الثائر الأحمر جورج ابراهيم عبد الله ذلك الذي صرخ في وجه سجانه  “أنا مناضل ولست مجرما”.

37 عاما في السجون الفرنسية، وجورج عبد الله ما زال جورج عبد الله, واثق الخطوة, راسخ القناعة، متجذر الموقف, لغته حاسمة في عدائه للإمبريالية المتوحشة، أما خياره المقاوم فلا يعرف الاهتزاز، وعنفوانه المتألق ما زال محتفظٌا بحماسة اللحظة الاولى.

الثائر الأحمر جورج ابراهيم عبد الله هو امتداد لإرث ماركس برفض المساومة على المبادئ, وتراث لينين بالثبات على المواقف, ونهج الحكيم حبش بعدم تغليب التكتيك على الاستراتيجيا أو تغليب الاستراتيجيا على الايديولوجيا, وفكر غيفارا صاحب مقولة “إذا كانت الامبريالية سلسلة واحدة فعلينا مواجهتها في جبهة عالمية واحدة، ولا يهمني أين ومتى اموت، ما يهمني ألا يعيش العالم على رفات البائسين”.

الثائر الأحمر حكاية سأحكيها بما يليق بصاحب الحكاية .. نروي قصة جورج لا لتكريمه, “فهو لم يطلب من أحدٍ يوماً اعترافاً أو تكريماً, كل همه كان تنفيذ ما اعتبره واجبا”

نروي للناس قصة جورج ليرى الجيل الجديد شكلاً حقيقياً للنضال، يختلف عن ذاك الذي تروج له وسائل إعلام الهيمنة ويعجبها وترضى عنه, نروي للناس قصة جورج ليفهم الجيل الجديد أن اختيار طريق الثورة يعني وعياً مسبقاً بالكلفة التي سيدفعها الثائر، وأن يتوقع الثائر الخيانة ويحتملها

وأن لا يضيره أن يكون قديساً منسياً, الهدف من هذه السطور ليس التأسف أو الحداد والشكوى، فنحن من يستحق الأسف وليس جورج، بل الهدف تبيان أن جورج، دافع عن الأمة ونجح في أداء المهمة.

اللبناني القومي الماركسي جورج عبد الله, ثوري حتى نخاع العظم, مزج الفكر بالسياسة ونهج العنف الثوري, انخرط في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في سبعينيات القرن الماضي, كما كانت له أنشطه نضالية على الساحة الأوروبية, كان جورج ابراهيم عبد الله في الطليعة كما عادته فجُرح عام 1978 في اجتياح اسرائيل الأول للبنان فيما يُعرف بعملية الليطاني.

إن حب الحياة يحتم علينا أن نمارس العنف أحيانا, هو صراع, فإما أن تكون على الهامش أو أن تكون في قلب المعركة, جورج اختار ان يكون في قلب المعركة, حرب 82 التي شهدت الاجتياح الاسرائيلي لبيروت شكلت انعطافة في تفكيره فانتقل من نهج بناء حزب الى نهج بناء ألوية مقاتلة، متأثراً بالتجربة الكوبية “نظرية البؤرة” التي حولت كوبا لثورة ظافرة.

تفجرت البؤر اليسارية المقاتلة في اليابان وإيطاليا وألمانيا وشهدت امريكا اللاتينية ولادة عشرات البؤر المقاتلة في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، ولكنها وقعت بين مطرقة التصفية وسندان الاعتقال الطويل.

كان للشهيد وديع حداد مسؤول العمليات الخاصة في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وصاحب شعار “وراء العدو في كل مكان” صولات وجولات في نهج “نظرية البؤرة” ومن هنا ارتبط اسم الثوري الفنزويلي كارلوس المُغيب في السجون الفرنسية والياباني كوزو اموموتوا الذي عرف جيدا جدران سجون الاحتلال الاسرائيلي والعربي اللبناني الراحل أنيس النقاش الذي تحرر من السجن بعد عقد من الزمن, من هنا ارتبطت هذه الاسماء بوديع حداد ..

وكما كارلوس واموموتوا والنقاش وعشرات الثائرين, ارتبط بتجربة الشهيد حداد, اسم المدرس الذي يتقن عدة لغات والمولود ببلدة القبيات شمالي لبنان في 2 نيسان 1951 “جورج ابراهيم عبد الله”, الذي أسس الفصائل المسلحة الثورية اللبنانية “FARL”، مع عشرة أشخاص آخرين بينهم أربعة من أخوته وخمسة من أقربائه, وكان على اتصال مباشر مع منظمات “العمل المباشر” اليسارية الفرنسية والألوية الحمراء الثورية الإيطالية والفنزويلي الثوري كارلوس.

كان الشعار الذي رفعته “الفصائل المسلحة الثورية اللبنانية” التي تزعمها عبد القادر سعدي “الاسم الحركي لجورج ابراهيم عبد الله”, “سنبقى مع فلسطين وفي خندقها حتى ولو كنا نحن الضحايا واذا لم نكن نفكر هكذا فما هو الخيار غير خندق الاعداء”

كان صراع الفصائل مع العدو واضحا كل الوضوح في مقولة عبد الناصر الشهيرة: “ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة”, اعتبرت “FARL” الدبلوماسي الإسرائيلي ياكوف بارسيمنتوف رئيساً للموساد في فرنسا وواحدا من أعدى أعداء فلسطين فاغتالته عام 1982 بعد أن تبنت هجوما في باريس عام 1981 استهدف “الدبلوماسي المُزيف” ضابط الاستخبارات الأميركي كريستيان شابمان.

جرى بعد ذلك أن وجه الأمن الفرنسي أصابع الاتهام لأخوة جورج وأصدقاءه بتلك العمليات، كان هدير غضب السلطات الفرنسية عاليا, فنشرت أسماء رفاق جورج عالمياً لملاحقتهم، بعد أن عممت صورهم في المراكز الحدودية والمواقع العامة الفرنسية, ورصدت لمن يأتي برؤوسهم أو يدلي بمعلومات عنهم جوائز مالية.

بدأت حكاية جورج عبدالله يوم ولد, أما قصة أسره فقد عاشها وعايشها عام 1984 في “ليون” الفرنسية يوم اعتقل بتهمة حيازة وثائق مزورة، هي جواز سفر جزائري “لم تبخل الجزائر حينها على العديد من كوادر المقاومة الفلسطينية بجواز سفر يسهل حركتهم”.

يروي الرئيس الاسبق لجهاز المخابرات الداخلية الفرنسية “إيف بوني” بعض تفاصيل وخبايا حكاية من أضحى أقدم سجين سياسي بفرنسا في معتقل “لانميزون”، والذي ظل ضحية ثأر غير معلن

يقول بوني: “حينما تم اعتقال عبد الله سنة 1984، لم نتعرف على هويته الحقيقية، وكان يؤكد انتماءه لمنظمة التحرير الفلسطينية، حينها كانت لي علاقات مع الرجل الثاني في المنظمة أبو اياد، كما قمت بالاتصال بالإسرائيليين، ليتم بعد ذلك تحديد هوية عبد الله على أنه قائد لتنظيم “الفصائل المسلحة الثورية اللبنانية”

ولكن لم تكن لدينا أدلة خطيرة تدينه، باستثناء حيازته لجواز سفر وبعض الأسلحة، واعترف بوني بقوة تنظيم “الفصائل الثورية” الذي أكد صعوبة اختراقه، وهو الذي كان يرتكز حسب أقواله على عائلات وأسر القبيات “قرية جورج عبد الله القريبة من طرابلس”.

شهادة إيف بوني تكررت وتكررت, وكما بوني, دوَّن “جاك أتالي” مستشار الرئيس الفرنسي الأسبق “فرانسوا ميتران”, يوم 6 آذار 1985 في يومياته، التي نُشرت عام 1988 في كتاب مذكراته عن “سنوات الإليزيه”

لا تتوافر لدينا أي أدلة ضد جورج إبراهيم عبد الله, لذا لا يمكن أن توجه إليه المحكمة أي اتهام آخر سوى امتلاك جواز سفر مزور, تلك التهمة البسيطة التي وُجهت للثوري اللبناني الملتحي كان معناها أنه سيغادر السجن بعد أقل من 18 شهراً.

لعب القدر مع جورج لعبته التي لا مفر منها, فلم تلبث قضيته أن سلكت وجهة مغايرة، فتعقدت أموره تماما بعد أن أعلنت الأجهزة الأمنية الفرنسية فجأة عن عثورها على مسدس في شقة مستأجرة باسمه “وُجد المسدس ملفوفا بجريدة عربية صدرت بعد سنتين من توقيف جورج عبد الله وكان هو الدليل الوحيد في القضية”.

في العاشر من تموز 1986، كان الحُكم بالسجن لمدة أربع سنوات قد صدر, بعد أن تمت محاكمة عبد الله في “ليون” بتهمة حيازة أسلحة بطريقة غير مشروعة، “رفض جورج المحاكمة ولم يعترض”, لكنه قال إن “الرحلة التي قطعتها حكمتها الانتهاكات لحقوق الإنسان في فلسطين”.

الأول من آذار 1987 كان صباحا غاب عنه السلام, ادعت السلطات الفرنسية فيه أن المسدس الذي عثر عليه في شقة مستأجرة باسم جورج تم استعماله في عملية اغتيال ياكوف بارسيمنتوف السكريتير الثاني في السفارة الاسرائيلية بفرنسا في نيسان 1982

والملحق العسكري الأميركي في باريس تشارلز روبرت راي في الثامن عشر من كانون الثاني 1982، ومحاولة قتل القنصل العام الامريكي في ستراسبورغ روبرت هوم عام 1984, كان المسدس الذي يبدو أنه دُس في شقة عبد الله المُستأجرة, ذريعة لمعاودة محاكمة الثائر الأحمر بتهمة التواطؤ في أعمال “إرهابية”.

عرفت فرنسا في تلك السنوات سلسلة مداهمات ومصادرة لمخازن أسلحة, احتاجت السلطات الفرنسية حينها كبش محرقة لتقول أنها تكافح الإرهاب, في وقت كان الرأي العام الفرنسي واقعاً فيه تحت تأثير سلسلة من التفجيرات التي شهدتها العاصمة الفرنسية بين عامي 1986 و1987، سقط فيها عدد كبير جداً من الضحايا, الأمر الذي ساعد الأمن الفرنسي في تضليل الشعب بقضية ابن القبيات.

في الثامن والعشرين من شباط 1987 اجتمع سبعة قضاة في محكمة خاصة تداولوا لـ 70 دقيقة فقط, ثم أطلقوا رصاصة حكمهم على جورج إبراهيم عبد الله بالسجن المؤبد, دون إثبات او اعتراف, بدعوى قتل الدبلوماسي الأمريكي والملحق العسكري في السفارة الإسرائيلية, “مرة أخرى رفض جورج المحاكمة ولم يعترض”.

تروي المحامية إيزابيل كوتان باير “زوجة الثائر الفنزويلي كارلوس” التي كانت عضو هيئة الدفاع عن عبد الله، تفاصيل المؤامرة القضائية التي لُفقت ضد الثوري اللبناني جورج عبد الله، قائلة: استُدعي عبد الله مجدداً إلى المحكمة، على نحو مفاجئ، في 28 شباط 1987، وفوجئنا بتهم مغايرة وأدلة جديدة لم تكن مدرجة في الملف خلال المحاكمة الأولى, زعم الادعاء بأن السلطات عثرت على أسلحة في مخابئ وشقق سرية تابعة لعبد الله, واعُتبر ذلك دليل إثبات على اشتراكه في العمليات الفدائية التي نفذتها “الفصائل الثورية اللبنانية” في فرنسا عام 1982.

كانت هشاشة القضاء الفرنسي واضحة منذ البداية في تفكير المناضل جورج عبدالله حين قال في محاكمته عام 1987: “بأي هدوء واستقلالية تُدعون لتحكموا على أعمال حرب وأنتم تعزلونها عن إطارها العام أي العدوان الإمبريالي ضد شعبنا؟

وكيف تستطيعون، انتم ممثلو الإمبريالية الفرنسية، ألا تكونوا شركاء في هذه الحرب؟ ما حجم السخافة التي يجب أن يتحلى بها ممثل ريغان “الرئيس الأمريكي في حينه” ليمثل في محكمتكم كضحية وجهة ادعاء جنائية في باريس بينما البحرية الأميركية تستعد للاعتداء على بيروت وعلى مدن عربية أخرى؟ يجب أن يكون لديك علاقة قربى مع غوبلز “وزير اعلام هتلر والمسؤول عن ثقافة البروباغاندا النازية” لتكون قادراً على ابتلاع هذا المشهد، ومَن غير الإدارات الامبريالية الغربية أحق بهذا التاريخ غير المرغوب فيه”.

أمريكا مخلب قط الاستعمار، ورأس جسر الإمبريالية أينما حلت تقتل وتفتك وتتآمر, منذ بدء محاكمة عبد الله كان الاميركي حاضراً كطرف ادعاء على خلفية ادانة عبد الله باغتيال الملحق العسكري الاميركي تشارلز روبرت راي, كانت السلطات الفرنسية في حينه خاضعة للضغط الأميركي “ناقش ريغان موضوع محاكمة جورج عبدالله في لقاء له مع الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران، كما جرت تدخلات أميركية عدة لدفع السلطات الفرنسية إلى مواصلة احتجاز جورج عبدالله”, هذا فضلاً عما كانت تعانيه فرنسا من النفوذ الصهيوني”.

صوبت أمريكا بندقيتها إلى جبين جورج, كان كل شيء ممكن ومحتمل ومتوقع في محاكمة ابن القبيات، حتى أن محامي الحكومة الأميركية تجرأ أثناء المحاكمة على تشبيه القضاء الفرنسي بمخابرات فيشي الخاصة، فيما لو لم يأتِ الحكم على جورج مطابقاً تماماً لإرادة الخارجية الأميركية.

ذهبت الخيالات البشعة للسلطات الفرنسية والامريكية أبعد من ادانة جورح حد التفكير باغتياله.. طار وليام كايسي، يوم كان مديراً للمخابرات المركزية الأميركية “سي أي إيه”، الى فرنسا، ليمارس الضغط على الحكومة الفرنسية ممثلة بشخص وزير الأمن روبير باندرو.

يروي كل من الكاتبين “دو ميريتين وفيلينوف” قصة اللقاء بين “باندرو وكايسي” في كتاب بعنوان “أقنعة الإرهاب” خلال جلسة إلى مائدة أعدها باندرو: يهدد مدير المخابرات المركزية الأميركية “وليام كايسي” وزير الأمن الفرنسي “روبير باندرو”  بشوكة الطعام, يقول الرسالة واضحة: إذا لم يحكم على عبد الله بالمؤبد، فالولايات المتحدة ستعتبر أن فرنسا لم تحترم القاعدة الأولى في العدالة، وأنها أخلفت بواجباتها تجاهها، ما سيؤدي إلى القطيعة الدبلوماسية, بعد بضع ثوانٍ جاء الرد نموذجياً: لدي ما هو أفضل لأقترحه عليك، قال باندرو بكل برودة, يُفرج عن عبد الله, وإذا رغبتم نتناقش في التاريخ, ونرسله إلى الشرق الأوسط، ومن ثم نزودكم بكل المعلومات حوله, أنتم، الولايات المتحدة، هذه الدولة العظمى بكل شبكاتها في المنطقة، سيكون من السهل عليكم تصفيته، ونطوي الأمر نهائياً, ذُهل كايسي للعرض, لقد بان الابتزاز في العلاقات الدبلوماسية، بكل وضوحه، وبسخريته المطلقة.

محاكمة جورج إبراهيم عبد الله، كانت منذ البداية محاكمة كاريكاتورية “حتى أن النائب العام الفرنسي ادعى مرة أن جورج شيوعي إسلامي”، أدت في النهاية بسبب التدخلات السياسية، إلى مهزلة قضائية, كانت محاكمةً غير نزيهة استندت إلى تقارير الموساد, ووشايات محامي دفاع “كالدودة في الفاكهة” يعمل لحساب جهاز المخابرات الفرنسية.

ظروف عصبية وضربات عديدة تعرض لها الثائر الأحمر كشفت عن بعضها اعترافات محاميه “جان بول مازورييه” بعد أيام من ادانة سجين الحرية جورج عبد الله، في كتاب نشره مازورييه يحمل عنوان “العميل المندس في قضية عبد الله”، يعلن فيه أنه عمل لحساب جهاز المخابرات الفرنسية “قامت نقابة المحامين الفرنسيين لاحقاً بطرد هذا المحامي من صفوفها لما تم اكتشاف أمره”, لكن المحاكمة لم تُلغَ برغم ذلك ولا أحد يبالي.

مع الطلاق الذي حصل بين عبد الله والمحامي مازورييه بسبب خيانة الأخير، اختار جورج, “جاك فرجيس” الملقب بـ”سفاح المحاكم” منذ عام 1987 ليحمل قضية الدفاع عنه في المحاكم الفرنسية إلى أن توفي ليخلفه بعدها “جون لويس شالونسي” عام 2013.

أدين جورج, وبغضّ النظر عن إدانته، تعهدت فرنسا للجزائر “عندما اعتقل جورج كان بحوزته جواز سفر جزائري شرعي” تعهدت بلسان إيف بونيه الذي كان حينها رئيسا لجهاز المخابرات الداخلية الفرنسي بإطلاق سراحه مقابل الإفراج عن الدبلوماسي الفرنسي سيدني بيرول الذي اختطفته “الفصائل المسلحة الثورية اللبنانية FARL” من طرابلس لمبادلته بـ عبدالله.

تنفس سيدني بيرول الحرية, لكن فرنسا غيرت لونها كالحرباء ونفضت يدها من تعهداتها, بقي جورج في المعتقل وتناثر حلم الحرية بسبب صدفة غريبة مثيرة للشك: هي اكتشاف أداة الجريمة، “أي ذلك المسدس الملفوف في صحيفة عربية صادرة بحسب تاريخها بعد سنتين من توقيف عبد الله”.

يقول إيف بونيه: إنه مع توقيف عبد الله في آذار 1985، قامت مجموعات باختطاف “سيدني بيرول” مدير المركز التجاري الفرنسي في طرابلس اللبنانية، في تلك الأثناء اقترح الجزائريون أن يكونوا وسطاء، وهو ما وافقت عليه فرنسا دون أن يعترض على ذلك وزير الداخلية بيار جوكس، وتم الاتفاق على التبادل، وبعد أن تم تحرير الرهينة الفرنسية، برزت قضية العثور على سلاح استخدم حسب الرواية الفرنسية في مقتل الدبلوماسيين الأمريكي والإسرائيلي، ليتم تجاوز المفاوضات والاتفاق الذي تم بين باريس والجزائر، اعترف بوني حينها “لقد أحسست بالألم كثيرا لأنني منحت كلمة شرف لأصدقائي الجزائريين الذين انخرطوا في تسوية الملف بصدق، ولكن تم التخلي عنه من قبل الساسة الفرنسيين”.

“قدمت فرنسا وعدا خانته” يقول إيف بوني ويعترف: “ضميري يؤنبني في هذه القضية.. واليوم أجد الأمر غريبا وفاضحا أن نبقي على جورج إبراهيم عبد الله في السجن، بينما أطلقنا سراح موريس بابو “محافظ شرطة باريس مرتكب واحدة من أكثر المجازر فظاعةً بحق المهاجرين الجزائريين بفرنسا عام 1961″، أما عبد الله فيُعامل أسوأ من المجرمين رغم أنه قام بأفعال سياسية.

15 عاما مضت.. قضى أقدم معتقل سياسي في فرنسا عقوبته بالفعل وبات إطلاق سراحه متاحا, انتهت مدة سجن جورج عام 1999 منذ “22 سنة”, ومع استيفاءه استنادا الى القانون الفرنسي للإفراج المشروط قررت المحكمة الفرنسية اطلاق سراحه عام 1999غير أن وزارة العدل رفضت, عاد ليحصل على حكم بالإفراج المشروط عام 2003، لكن المحكمة استأنفت وألغي القرار في كانون الأول 2004, تكرر المشهد عام 2005 و 2007 و 2011 و2013, “تقدم جورج بتسعة طلبات لإطلاق سراحه، وبعد كل قرار افراج تتدخل وزارة الداخلية أو وزارة العدل لإبطاله أو تعليقه” فترسله إلى نقطة البداية “السجن بلا نهاية و دون مخرج”.

 

كل يوم يمر منذ 24 تشرين الأول 1999 هو يوم اختطاف جديد للمناضل جورج عبدالله، كل يوم يمر هو ارهاب جديد تمارسه السلطات الفرنسية باختطاف مواطن لبناني, كل يوم يمر هو فضيحة جديدة نتيجة الضغط الاميركي العلني على فرنسا، وبتحديد أكثر الضغط الذي نجح بكسر قرار الافراج القضائي عن عبد الله.

أن يحاكم جورج عبد الله هذا الحكم المجنون دون إثبات وأن يتم إلغاء 9 قرارات بالإفراج عنه يعكس نزعة انتقامية، ويشكل دليلا واضحا على ان الخطاب الليبرالي الذي أشبعت به البرجوازية العالم منذ قرنين ويزيد منذ مونتسيكو وجان جاك روسو عن فصل السلطات واستقلالية السلطة القضائية هو مجرد هباء حتى في بلد الديموقراطية الليبرالية فرنسا.

35 عاماً مضت على اعتقال عبد الله وهو يراقب ما يجري في العالم، ويشهد من يخون ومن ينقلب، ومن سلم رفاقه وأنكرهم، ومن جعل من النضال رزقة ونجومية، فيما هو بلا سند أو حماية من حزب أو تنظيم أو دولة.

فالنكران والدول العربية وجهان لعملة واحدة؟ يخفق العرب دوما بتقدير أبطالهم ومناضليهم, فالثائر الأحمر، يسقط دوما سهوا أو عمدا من حسابات دولته لبنان والدول العربية وشعوبها، فهل يجهلون أن لديهم بطل ليس من هذا الزمان؟.

يتساءل الفرنسي جاك فرجيس محامي جورج عبدالله “إن كانت الدولة اللبنانية لديها خبر إنها خرجت من الانتداب الفرنسي أم لا”؟.

ماذا لو كان جورج عبد الله أمريكيا او فرنسيا او حتى إسرائيلياً، هل كنا سنفتح وكالات الانباء ووسائل التواصل الاجتماعي والكتب والاوراق دون ان نرى صورته واسمه “أحمر بالخط العريض”.

لماذا هذا النكران والتجاهل؟.. في الوقت الذي لم ينسَ جورج المعتقل في السجون الفرنسية منذ عام 1984، قضايا بلاده وقضية الاسرى الفلسطينيين، فطوال سنوات اعتقاله لم يلن أو يستكين، وكان دائما صاحب همة عالية، متابعا لملف الأسرى الفلسطينيين، فأعلن الاضراب عن الطعام مرات عديدة تضامنا معهم، عندما كانوا يخوضون معارك الأمعاء الخاوية ونزالات “المي والملح” المتكررة احتجاجا على ممارسات الاحتلال وسجانيه بحقهم وتنكره لمطالبهم.

37 عاما مضت لم يتراجع فيها جورج عبد الله عن وفائه بعهده لفلسطين.. 37 عاما مضت ولم ينقل جورج بندقيته من كتف الى اخر ولم ينزلها ارضا ولم يبدل طريق الدم فأمثاله لا يتعبون.. 37 عاما مضت وجورج ابراهيم عبد الله هو جورج ابراهيم عبد الله.

“معنوياته بعدها مرتفعة، وكأنه في اليوم الأول بعد اعتقاله، يقول “خيه” روبير عبد الله, يتابع: لم يتغير ابن القبيات، ولم يُشفَ من اليسار والنضال.

ينقل عنه روبير قوله “لا تتسولوا حريتي”، ويكشف أن إحدى وثائق ويكيليكس تحدثت عن طلب أميركي لوزير الخارجية الفرنسي الأسبق لوران فابيوس للبحث عن مسار اَخر لعرقلة الإفراج عنه.

لم يكن في وسع جورج التحكم بالأحداث التي ضربت وطنه وقضيته، أو رد تراجع اليسار وفساد الأنظمة وانهيار الاشتراكية ولكنه، في وسط كل هذه الظروف اليائسة، حدد بوضوح المسار الصعب, عمل بصمت، نفذ مهمته، ودفع الثمن كاملاً من أغلى ما يملكه الإنسان “عمره وأمنه” من غير أن يتوقع اعترافاً أو تعويضاً أو شهرة, حربه لم تنتهِ، لا بالشهادة ولا بالتقاعد, وتستمر مهمته حتى لحظاته الأخيرة أو حتى تأتي الى هذه البلاد أنظمة غير تابعة، تحمي من ناضل لأجل هذه الأرض ولا تظلمه ولا تسلمه لعدو.

على تلة مرتفعة نائية في جبال البيرينيه، جدران أربعة لزنزانة صغيرة بمعتقل “لانميزون”، هناك يقبع جورج إبراهيم عبدالله, تلك الجدران تعرف جورج جيدا ويعرفها، فهو من علمها الصمود والمقاومة، وهي من تشهد اليوم وستشهد كل يوم على أفكاره التي كان يصرخ بها في ساحاتٍ لم تستطع نسيانه أبدا.. “لن أندم، لن أساوم، سأبقى أقاوم”.. كلمات ترددها جدران زنزانة جورج المعتقل في السجون الفرنسية منذ أكثر من 37 عاماً.

ما يُبكي فيُدمي أن جورج عبد الله لن يتمكن من معانقة والدته التي رحلت قبل سنوات طويلة من موعده مع الحرية.

 

بيبلوغرافي..

  • 2 نيسان 1951: وُلد في القبيات – عكار
  • 1966: بداية انخراط عبدالله في العمل السياسي، من خلال نشاطه مع الحزب السوري القومي الاجتماعي
  • 1978: انضم إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
  • 1981: شارك في تأسيس الفصائل المسلحة الثورية اللبنانية
  • 24 تشرين الأول 1984: لاحقه الموساد في مدينة ليون الفرنسية، قبل أن تعتقله السلطات الأمنية الفرنسية، بحجة حيازته جواز سفر جزائرياً مزوراً
  • 6 آذار 1985: جاء في مذكرات مستشار الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران، جاك أتالي، التي نُشرت في الـ1988، أنّه لم تكن تتوفر لدينا أي أدلة ضد جورج ابراهيم عبدالله، لذا لا يُمكن أن توجه إليه المحكمة أي اتهام آخر سوى امتلاك جواز مزور, كان يُفترض أن لا يمكث عبدالله، بسبب هذه التهمة، في السجن أكثر من 18 شهراً
  • 1985: نكثت فرنسا بتعهدها إتمام صفقة تبادل بإطلاق سراح عبدالله مقابل الإفراج عن الدبلوماسي الفرنسي جيل سيدني بيرول، المخطوف في لبنان
  • 10 تموز 1986: حكم عليه بالسجن 4 سنوات بتهمة حيازة أسلحة ومتفجرات
  • 1 آذار 1987: محاكمة ثانية بعد أن وُجهت له تُهمة التواطؤ في أعمال إرهابية، وصدر في حقه حُكم السجن المؤبد.

مِن التهم بحقه:

– تأسيس الفصائل المسلحة الثورية اللبنانية

– محاولة اغتيال المسؤول الثاني في السفارة الأميركية في فرنسا كريستيان أديسون تشابمان، في 12 تشرين الثاني 1981

– اغتيال الملحق العسكري في السفارة الأميركية في فرنسا، الكولونيل تشارلز راي، في 18 كانون الثاني 1982

– اغتيال السكريتير الثاني للسفارة الاسرائيلية في فرنسا، ياكوف بارسيمنتوف، في 3 نيسان 1982

– تفخيخ وتفجير سيارة الملحق التجاري في السفارة الأميركية في فرنسا، رودريك غرانت، في 22 آب 1982

– اغتيال المدير السابق للقوات الدولية في سيناء، الدبلوماسي الأميركي ليمون هانت، في 15 شباط 1984

– محاولة اغتيال القنصل العام للولايات المتحدة الأميركية في ستراسبورغ الفرنسية، روبرت أونان هوم، في 26 آذار 1984

  • 1999: استوفى الشروط المطلوبة للإفراج عنه، التي يُحددها قانون العقوبات الفرنسي
  • 2002: كتب النائب السابق في البرلمان الفرنسي ألان مارسو “شغل سابقاً القاضي المعني بمكافحة الإرهاب، ونظم عملية المحاكمة أنه “حكمنا على جورج عبدالله على ما لم يقم به”
  • 19 تشرين الثاني 2003: قررت محكمة الإفراج المشروط إطلاق سراح عبدالله. فاستأنفت النيابة العامة الفرنسية القرار، ما عطل إخراجه من السجن
  • 9 أيلول 2005: عارضت النيابة العامة الفرنسية أي قرار يقضي بإطلاق سراحه
  • 31 كانون الثاني 2006: رفضت النيابة العامة الفرنسية طلب إطلاق سراح عبدالله، مُتحججة بأن صورة فرنسا ستهتز أمام الولايات المتحدة وحلفائها، وأن ترحيله إلى لبنان لا يشكل ضمانة لعدم تكراره الأعمال التي قام بها
  • 6 شباط 2007: تقديم طلب الإفراج المشروط السابع، الذي رُفض في 10 تشرين الأول من نفس العام
  • 20 كانون الأول 2007: استأنف عبدالله الحُكم، وعُقدت جلسة الاستئناف في 31 كانون الثاني حين تأجل إعلان الحُكم إلى تاريخ 17 نيسان 2008
  • 4 أيلول 2008: نقل الملف من محكمة الإفراج المشروط إلى لجنة خاصة للنظر في درجة خطورة عبدالله
  • 7 كانون الثاني 2012: صرح المدير الأسبق للاستخبارات الفرنسية بأن لديه أزمة ضمير مع قضية عبدالله.. من غير الطبيعي والفظيع استمرار اعتقاله.. إنها سياسة انتقامية من الدولة ضد عبدالله
  • 10 كانون الثاني 2013: وافقت غرفة تطبيق العقوبات في باريس على طلب الإفراج الثامن، رابطةً إياه بمغادرته الأراضي الفرنسية, استأنفت النيابة العامة، فعُلق الحكم.

– المتحدثة باسم الخارجية الأميركيةفيكتوريا نولاند: لا نعتقد أنه يتعين الإفراج عن عبدالله، ونواصل مشاوراتنا مع الحكومة الفرنسية بشأن ذلك

  • 2013: تشكلت في لبنان لجنة وزارية لمتابعة القضية، وزار وفد رسمي باريس لمناقشة الأمر
  • حزيران 2014: للمرة الأولى منذ اعتقاله، طُرح ملفّ عبدالله في الدورة الـ26 لمجلس حقوق الإنسان في جنيف
  • 6 تشرين الثاني 2014: رفضت محكمة تنفيذ الأحكام الفرنسية الطلب التاسع بالإفراج المشروط
  • 17 حزيران 2018: الرئيس ميشال عون يراسل نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، يطلب فيها الإفراج عن عبدالله
  • 22 كانون الأول 2018: زار السفير اللبناني لدى فرنسا رامي عدوان، عبدالله في سجنه، فكانت تلك أول مرة يزوره فيها سفير لبناني
  • 2021: أتم عبدالله 37 عاماً في السجن في عيد ميلاده السبعين ولم يبدل طريق فلسطين ولن

انضم الى صفحتنا على الفيسبوك..
برس 361

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

361 news