مأساة “الشيخ جراح” ظاهرها أزمة قانونية وباطنها إنهاء الوجود الفلسطيني في القدس

0 40

لم تتوقف نكبة فلسطين كما يعتقد البعض عند تاريخ الخامس عشر من آيار (مايو) 1948 فحسب بل تتكرر أحداثها المأساوية يوما بعد يوم على الأرض الفلسطينية بواسطة  آلة القتل والإجرام الصهيوني التي لم تتوقف عن تنفيذ مخططات الأسرلة والتهويد والاستيطان والقضم والضم للأراضي الفلسطينية وبالأخص منها القدس التي تعاني منذ ذلك الوقت وإلى الآن من خطر التهجير والاستيطان والتهويد.

فما يحدث الآن في حي “الشيخ جراح” ما هو إلا حلقة في مسلسل النكبة حيث يستيقظ أهالي الحي يوميا ومنذ أكثر من 40 عاما على شبح “المحو” والطرد والاقتلاع والتهجير من بيوتهم وبناء مستوطنة فوق أراضيهم في عملية تشريد وطرد قسري من وطنهم وإزالتهم كوجود بشري وتاريخي ومعنوي. ويهدف الاحتلال إلى إقامة مستوطنة في منطقة الشيخ جراح لربطها في المستوطنة المقامة على أرض بيت أمين الحسيني والجامعة العبرية، ليتم قطع القدس بالعرض وفصل البلدة القديمة عن شرقي القدس ووصل المستوطنات بعضها ببعض وعزل الأحياء الفلسطينية، إضافة إلى إبعاد الفلسطينيين عن المسجد الأقصى.

ويقع هذا الحي شمال البلدة القديمة في القدس، ويعتبر البوابة الشمالية الواصلة بين القدس ورام الله وله رمزية عند المسلمين والفلسطينيين، كونه يحمل اسم طبيب صلاح الدين الأيوبي، وقد قطنه المفتي أمين الحسيني.

وبدأت قصة الحي في بدايات الخمسينيات عندما كانت القدس والضفة الغربية تخضع للإدارة الأردنية حيث قدمت الأردن قطعة أرض في حي الشيخ جراح لعائلات فلسطينية هجرت من القدس الغربية وحيفا ويافا وعملت وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين على تشييد المساكن لهذه العائلات.

وحينها تم توقيع اتفاقية بين وزارة الإنشاء في الحكومة الأردنية والعائلات الفلسطينية، على أن بعد ٣ سنوات تقوم الأردن بتفويض وتسجيل هذه البيوت بأسماء ساكينيها، كما تقوم العائلات بدفع رسوم رمزية مقابل ذلك.

واستمروا بالسكن والحياة في هذا الحي حتى وقعت “النكسة” واحتلت القدس بكاملها ولم يتم نقل ملكية البيوت للعائلات ليتضح حسب الأهالي والمتابعين أن الأردن لم يلتزم في بنود الاتفاقية التي كانت في العام 1952 بين وزارة الإنشاء في الحكومة الأردنية والعائلات الفلسطينية.

بحيث لا يتوفر مع العائلات أوراق رسمية من الأردن، فالبعض لديه عدة نسخ مصورة من الاتفاقية وغير مصدقة أصولا أي أنها لا يمكن اعتمادها بالمحاكم. وحتى الآن لا يزال المهددون بالطرد ينتظرون وثائق أردنية رسمية لإنقاذهم،  ويتساءلون أين الوثائق؟

وبدأت تظهر ملامح أزمة أهالي الشيخ جراح بعد العام 1967 واحتلال القدس الشرقية وتحديدا في العام 1972 حيث ظهرت جمعيتين صهيونيتين استيطانيتين، (سفارديم واشكنازيم) ادعتا أنهما تملكان الأرض المقام عليها البيوت في الحي، واستطاعت هذه الجمعيات الحصول على تسجيل الأرض في طابو الاحتلال.

ثم باعت هاتان المنظمتان حقوقهما في تلك الأرض لشركة “نحلات شمعون الدولية”، وهي شركة خاصة مسجلة في الولايات المتحدة وقد رفعت هذه الشركة العديد من الدعاوى القضائية على مدى العقود الماضية لإخلاء العائلات الفلسطينية من حي الشيخ جراح.

وكشفت وثائق وتقارير رسمية أنه يوجد أكثر من 218 أسرة فلسطينية لديها قضايا إخلاء مرفوعة ضدها في العام 2020 ، معظمها من قبل منظمات المستوطنين، مما يعرض 970 شخصا، من بينهم 424 طفلا، لخطر التهجير.

وتم تحديد غالبية الحالات الجديدة في منطقة بطن الهوى بسلوان، والتي تضم أكبر عدد من الأشخاص المعرضين لخطر النزوح وذلك بسبب حالات الإخلاء المستمرة. وتشير الأرقام الرسمية إلى انه بين عامي 2017 و 2020، طردت قرابة 15 أسرة، تضم 62 فلسطينيا، من منازلها في البلدة القديمة وسلوان والشيخ جراح في القدس الشرقية. والآن في العام 2021، تواجه 28 عائلة في حي الشيخ جراح بعدد افرادها ال550  شخص خطر التهجير والإخلاء وليس الهدم لأن الإخلاء يفقد صاحبه الأرض والمسكن ويشتت استقراره ويمحو ذاكرته وماضيه بينما الهدم يستطيع ان ينصب خيمة على ركام المسكن ويبقى حتى يتسنى له الحياة من جديد.

وتعاني مدينة القدس اليوم من خطر الاستيطان الصهيوني بهدف جعلها عاصمة للكيان المحتل، تقطنها غالبيةٌ من اليهود مع أقلية فلسطينية معزولة في بانتوستونات مفرقة ومقطعة الأوصال بحيث تسهل السيطرة عليها.

ومن أجل تحقق ذلك تعمل المخططات الصهيونية على توسيع المستوطنات القائمة و بناء مستوطنات و بؤر استيطانية جديدة في المدينة المقدسة، و تحديدا في الجزء الشرقي منها، إذ تجثم أكثر من 29 مستوطنة و بؤرة استيطانية على صدر مدينة القدس ويسكنها ما يزيد عن 280  ألف مستوطن بمساحة 112 ألف دونم

وايضا تهدف المخططات الصهيونية على تقليل عدد السكان الفلسطينيين عبر عدة وسائل أبرزها جدار الفصل العنصري و الذي يسميه الاحتلال بغلاف القدس. هذه  المخططات الاحتلالية تعمل على طمس الحقائق التاريخية والجغرافية للقدس وأهلها وتجسد عقلية الإجرام الصهيونية التي نشأ عليها هذا الكيان الغاصب والذي أعلنها بن غوريون بعد احتلال القدس في سنة 1967″ يجب جلب اليهود إلى شرقي القدس بأي ثمن.

يجب إسكان أعداد غفيرة من اليهود خلال وقت قصير. سيقبل اليهود السكن في شرقي القدس حتى في أكواخ، يجب عدم الانتظار لبناء أحياء منظمة المهم أن يكون هناك يهود”.

وتتزامن مأساة “الشيخ جراح” مع الذكرى ال45 ليوم الأرض حيث تتواتر رواية الآباء التي لم تبرح الذاكرة مستحضرة الآم اليوم مع ما حدث منذ  سبعة عقود ونيف  حينها كيف هاجمت قطعان العصابات الصهيونية المدن الرئيسية ومئات القرى سنة النكبة إذ كانت تقوم بنسف البيوت وتسويتها بالأرض بعد طرد سكانها، ثم محو أسماء القرى من على الخرائط ومن السجلات الرسمية بحيث لم يعد لها وجود يذكر سوى شاهدة ضريح أو صبار يقف حزينا على جانبي الطريق ينتظر عودة أصحاب الأرض.

ولم يكتف الاحتلال الصهيوني بهدم القرى والبلدات بل قام بطمس أسمائها ومعالمها من الوثائق الرسمية واستبدالها في حالة إقامة مستوطنات على أنقاضها بأسماء عبرية وتوراتية تلمودية وذلك بهدف إغلاق أي منفذ أمام عودة اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين في محاولة لإخراجهم من الزمن الفلسطيني ومحوه نهائيا من عناوين ولغة المكان الذي كان الحاضنة العضوية لمفردات الحياة اليومية بكل أشكالها وألوانها.

ما يجري الآن من محاولات لتهجير سكان حي “الشيخ جراح” ما هو إلا فعل إزالة منظم وشمولي يشير إلى العلاقة الوظيفية التراتبية بين “الإزالة” ثم “المحو” ثم “التورية والتعمية والتجهيل” وذلك لضمان استمرار سردية العقل الاستعماري الاستيطاني وتبرير النشأة الروحية والوجدانية بالعودة الى “أرض الآباء والأجداد ..

أرض الميعاد” والتي لا يراد منها فقط إبعاد الفلسطينيين أصحاب الحق والأرض  للحلول مكانهم فحسب بل أيضا محو اسمهم وذكرهم ورمزيتهم من دائرة المكان والزمان واستيطان تاريخ المجال المكاني بكل عناصره والسطو على كل مدلولات ورموز الوجود الفلسطيني التاريخي خاصة بعد أن رأى المستعمر الصهيوني في ابن البلد الفلسطيني عقبة في سبيل تحقيق أهدافه السياسية والقومية الأمر الذي أدى إلى القيام بعمليات شتى من إبعاده وذلك عبر عمليات التطهير العنصري والاقصاء الإثني الذي مورس في فلسطين خلال نكبة 1948، والعمل الدؤوب لتشويه وطمس المشهد الفلسطيني واستبداله قسرا بمشهد يهودي – صهيوني تلمودي من دون أي محاسبة دولية ومع صمت عربي وفي إجراء يتعارض مع أحكام القانون الدولي، وخاصة قرارات مجلس الأمن 476 و478 و2334 التي تؤكد جميعها على أن القدس الشرقية أرض محتلة.

في الواقع، إن إحباط مخطط الاحتلال للاستيلاء على منازل في حي الشيخ جراح سيشكل خط الدفاع الأول في حماية مناطق أخرى مهددة مثل منطقة كبانية أم هارون و منطقة فندق شيبرد و كرم المفتي التي تقع ضمن منطقة حي الشيخ جراح وستحمي أيضا المنازل في الخليل وسيحمي مصادرة الأراضي في قرى القدس وفي حي بطن الهوى وأحياء وادي ياصول وعين اللوزة والبستان ووادي الربابة في سلوان وسيحمي القدس من شبح التفريغ والتهويد والأسرلة، وسنضمن عدم إنهاء الوجود الفلسطيني في القدس.

محمد أبوشريفة

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

361 news