“حلف المتضررين المضطرين” الاتفاق الصيني الإيراني: مقدمات وآفاق

0 171

أحمد حسن

ربما كان أكثر ما عبّر عن وقع، وموقع، الاتفاق الاستراتيجي الشامل بين الصين وإيران في الصراع العالمي، هو اكتفاء الرئيس الأمريكي جو بايدن بالتعبير عن “قلقه القديم” منه في استعارة لافتة وذات دلالة لقلق “بان كي مون” الشهير والمعبّر بدوره عن العجز و”قلة الحيلة” حيال الأحداث والقضايا التي تواجهه.

فما هو ذلك الاتفاق؟. ما تفاصيله؟. ما أهميته في اللحظة الحاضرة؟، وما موقف الفاعلين الإقليميين والدوليين منه؟ والأهم، ما هي دلالاته المستقبلية على المنطقة والعالم؟، خاصة أن واشنطن، الفاعل الدولي الأبرز، لن تكتف قطعاً بـ”القلق” بل ستبدأ بالعمل فوراً ضده، خاصة أنه، بمضمونه وتوقيته و”نوعية” الطرفين الموقعين عليه، يعدّ تمرداً علنياً وتهديداً مباشراً هو الأخطر من نوعه لأحاديتها القطبية في العالم.

 

خلفيات الاتفاق

 ربما يمكن تسمية الاتفاق بـ”حلف المتضررين المضطرين” -هنا يمكن القول إن روسيا هي طرف مستتر فيه- وبالتالي يمكن إيجاز خلفياته بجملة واحدة: “الدول التي كانت ضحية للسياسة الأمريكية اتحدت للمواجهة” بعد أن أوضحت هذه السياسة، حتى في عهد بايدن صاحب “نظرية الدبلوماسية القصوى”، أنها لا ترضى من هذه الدول إلا التبعية الكاملة، وأن محاصرة ايران جيوسياسياً، واستعداء الصين لتحجيمها واستتباعها هو توجّه استراتيجي للنخبة الأمريكية سواء كانت جمهورية أم ديمقراطية، الأمر الذي دفع الصين أخيراً لمغادرة موقع المتردد التاريخي مضطرة، ودفع ايران إلى الكف عن وهم القبول الغربي، وسيدفع لاحقاً دولاً أخرى للبحث عن طرق للانضمام إلى هذا المحور المستجد.

وبالطبع لا تعاني الصين وإيران من نقص الأسباب الداعية لتعميق صلاتهما، ومن المفيد هنا الإشارة إلى علاقات تاريخية، سياسية واقتصادية، جمعت البلدين خلال الماضي الطويل لكليهما، وهي علاقات استمرت حديثاً، رغم بعض المنغصات والعراقيل من هنا وهناك، لتفرز وقائع عدة منها أن الصين هي الشريك التجاري الأول لإيران، ومنها أيضاً أن إيران هي الممر البري الإجباري لمبادرة “الحزام والطريق”، الأهم والأكبر في السياسة الصينية الخارجية، وهو موقع سيسمح لإيران بتأدية دور بالغ الأهمية والخطورة في هذه المبادرة بصفتها صلة الوصل بين وسط آسيا وجنوبها والشرق الأوسط.

 

تفاصيل الاتفاق

حتى اللحظة لم تخرج معلومات رسمية عن الاتفاق، لكن التسريبات التي تنشرها بعض وسائل الإعلام تتحدث عن “استثمار الصين مبلغ 450 مليار دولار أمريكي في مختلف القطاعات الاقتصادية الإيرانية خلال مدة الاتفاق البالغة 25 عاماً، خصص جزء منها أي مبلغ 280 مليار دولار منها للاستثمار في قطاعات النفط والغاز والبتروكيماويات الإيرانية، وسيتم ضخ جزء كبير من هذه الاستثمارات خلال السنوات الخمس الأولى، أما قطاع البنية التحتية فسيحظى بحوالي 120 مليار دولار، كما يشمل الاتفاق تسهيل نفاذ الاستثمارات الصينية إلى قطاع التعدين لاستغلال المناجم العميقة في ايران”.

بالمقابل، وبموجب هذه التسريبات أيضاً، ستحصل الصين على الواردات النفطية من إيران “بأسعار منخفضة عن أسعار السوق، مع إمكانية الدفع الآجل حتى عامين، إلى جانب إمكانية الدفع بالعملة المحلية الصينية (اليوان)”، وهي مسألة هامة جداً سواء للصين التي تسعى كي تكون عملتها عملة دولية، أو لإيران التي تريد تجاوز العراقيل الموضوعة أمامها في تعاملها بالدولار الأمريكي.

وأكثر من ذلك، تقول التسريبات أن الاتفاق يشمل أيضاً التعاون في صناعات عسكرية عدة، كما التعاون في المجال الأمني الاستخباراتي، وهنا، وكما في كل الحالات المشابهة، من المؤكد أن تكون هناك بعض البنود السرية التي لن يتم الإعلان عنها وإن كان يمكن التكهن بها كونها بين متضررين من السياسة الأمريكية وتبعاتها سواء على مستوى المحيط الجيوسياسي الصيني أو الإيراني المباشر والبعيد، ونترك للمستقبل الكشف الكامل والمفصّل عنها.

 

دوافع الصين:

انطلاقاً من العبارة التي تقول إن السياسة هي الاقتصاد مكثّفاً، فإن هذه الاتفاقية الاقتصادية الدسمة هي سياسة مكثّفة أيضاً، لذلك يمكن الاكتفاء بدافعين اثنين فقط يفسران معاً بعض دوافع الصين سواء الاقتصادية أو السياسية، وهما كلاّن متكاملان، فيما يلي، أولاً، فتح نافذة هامة للشركات الصينية من خلال إيجاد أسواق عدّة، سواء لتصريف الفائض المتراكم في منتجاتها، أو لمواجهة القيود التي باتت تواجهها شركات تكنولوجيا الاتصالات الصينية-مثالها الأهم شركة هواوي- في الأسواق الغربية بسبب السياسات الأمريكية المناهضة لتكنولوجيات الجيل الخامس الصينية، وثانياً، الحصول على كميات ضخمة من النفط بأسعار مخفّضة كما تتضمن نصوص الاتفاقية، والنفط ضرورة ماسّة للاقتصاد الصيني الناهض بقوة والهادف للمركز الأول عالمياً في ظل منافسة أمريكية شرسة تحاول منعها من الحصول عليه. وهذا يعني، بالمجمل وفي عودة للسياسة، توسيع دائرة حضور الصين في الشرق الأوسط والعالم وتأمين، وقل الاستحواذ على، محطة وحلقة هامة في مشروعها الاستراتيجي الكبير “الحزام والطريق”.

دوافع إيران

لإيران أيضاً دوافعها السياسية والاقتصادية وأهمها إنقاذ الاقتصاد الإيراني الذي يتعرض لمشكلة حادة نتيجة سياسة “الضغوط القصوى” التي مارستها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وقد وجدت طهران في الصراع الصيني الأمريكي فرصة تاريخية يجب استغلالها لمواجهة الضغوط الأمريكية، وتعزيز دورها الإقليمي، والعالمي أيضاً، وبالتالي إمكانية التعامل الثنائي مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم والمرشح بقوة ليكون الأول قريباً، لتأمين تدفق الاستثمارات في عدد من القطاعات الاقتصادية الإيرانية، وبالتالي الخروج من أسر السياسات الأمريكية في المنطقة، فهي بهذا الاتفاق ستتحوّل حكماً إلى مركز إقليمي في مبادرة “الحزام والطريق”، الأمر الذي يتجاوز الاقتصاد البحت إلى السياسة، حيث سيضمن لها هذا الموقع شبكة حماية تؤمنها مصالح دولية أصبحت مضطرة للدفاع عنها أكثر من ذي قبل في مواجهة السياسات الأمريكية.

صدمة عرب الخليج

لم تنفع زيارة وزير الخارجية الصيني وانغ يي الذي مثّل بلاده في احتفال التوقيع على الاتفاقية للرياض قبل توجهه إلى طهران، في طمأنة دول الخليج بأنها غير مستهدفة بالتعاون الإيراني – الصيني، فهذه الدول، وإن كانت لم تعلن موقفها رسمياً من الاتفاق، تعلم جيداً أن كل تحسن في الموقف الإيراني يعني تراجعاً في مكانتها لأنها رفضت سابقاً كل محاولات البحث عن شراكة، ولو مصلحية بحتة بين الطرفين، ولم تأل جهداً في محاربة ايران والانضمام إلى أي حلف إقليمي أو دولي ضدها، وآخر هذه الأحلاف “الحلف الابراهيمي” الذي ضم إسرائيل إلى جانب دول الخليج برعاية أمريكية كاملة، ويمكن استشفاف الموقف الخليجي من تعليقات وسائل الإعلام المحسوبة مباشرة عليها، والتي طالت بسهامها اللاذعة طرفي الاتفاق، ايران والصين، فبينما ركزت على الحكومة الإيرانية باعتبارها نظام مفلس “باع” بلده للصين، اتهمت هذه الأخيرة بالرعونة وعدم تقدير مصالحها الحقيقية في المنطقة والعالم.

بهذا المعنى ستجد الدول الخليجية نفسها في موقع العداء المصلحي لهذا الاتفاق وستعمل جهدها لمواجهته، لكنها لا زالت تنتظر الموقف الأمريكي الواضح منه، ومنها، على سبيل سواء.

 

التداعيات الإستراتيجية للاتفاق

ببساطة ووضوح، يبدو أن التداعيات الاستراتيجية للاتفاق، إن كتبت له الحياة والاستمرار فيها، تتمثّل بكونه تحولاً استراتيجياً هاماً في السياسة الصينية تجاه النظام العالمي والسياسات الإقليمية، وانخراطاً استراتيجياً وأمنياً في مشاكل العالم وتحدياته، بعد أن كان هذا النوع من الانخراط شبه محرم في السياسة الصينية، وهذا يعني حصول تداعيات متسارعة في العلاقات الدولية والإقليمية المتأثرة به، ربما يكون أهمها، بالنسبة لنا في الشرق الأوسط والمنطقة العربية، تحول هذه المنطقة إلى ساحة للمواجهة الصينية-الأمريكية، تلعب فيها ايران دوراً محورياً في جانب الصين، وهذا ربما، ونقول ربما، يعيد بناء المحاور والتحالفات القائمة في المنطقة انطلاقاً، أولاً، من الأولوية الصينية التي تأخذ بجدّية بالغة مصالح أطراف متعددة أيضاً مثل إسرائيل –للصين مثلاً عبر شركة “شنغهاي إنترناشيونال بورت جروب” حقوق تشغيل ميناء حيفا الإسرائيلي لمدة 25 عاماً بدءاً من العام 2021-، ومثل دول الخليج وللصين أيضاً مصالحها الكبرى هناك، وانطلاقاً ثانياً، وهذا الأهم، من الموقف الأمريكي النهائي من هذا الاتفاق/التحدي وقرارها بكيفية المواجهة، وهذا بالمحصلة ليس مؤشراً جيداً للعرب الذين يجدون أنفسهم دائماً في موقع الساحة لا اللاعب نتيجة تراكمات سياسية وحضارية ليس هنا مكان تفنيدها.

إذاً ستحاول الصين الموازنة بين مصالحها مع كل الأطراف في المنطقة، ما لم يحدث من طرف ما لا تحمد عقباه.

مستقبل الاتفاق

بالطبع يواجه الاتفاق تحديات خارجية وداخلية، وإذا كانت الخارجية معروفة وجدّية للغاية، فإن التحديات الداخلية لا تقل جديّة عنها، حيث تبرز في ايران مثلاً معارضة داخلية له بعضها من جانب رموز التيار المحافظ، ومن بينهم الرئيس السابق أحمد نجاد، الذي ذهب إلى أن الحكومة الإيرانية “باعت” السيادة الإيرانية للصين، وبالرغم من عدم قدرة هذا الفريق على الوقوف بوجه قرار يبدو أن المرشد شخصياً وتيارات وازنة جداً في النخبة الإيرانية تدعمه، إلا أنه لا يمكن التقليل من شأن هذه المعارضة أيضاً في ظل استقطابات داخلية متعددة ومتحولّة باستمرار، يتركز بعضها على دور وموقع إيران الخارجي، كما على السياسات والتوجهات الداخلية.

فيما تتركز أبرز التحديات الخارجية بموقف واشنطن النهائي منه، وبالتالي طبيعة قرارها حول كيفية مواجهته، لكن هناك خطر آخر يحيق بالاتفاقية لا يقل عن الأخطار الأخرى حدّة وأثراً، وهو الموقف الحقيقي للطرفين الموقعين عليه، فهل هو قرار استراتيجي لهما سيدفعان في سبيل تثبيته وتمتينه الغالي والثمين وسيدافعان عنه، معاً، مهما كلف الأمر، أم أنه مجرد تحرك تكتيكي ورهان على تحصيل أكبر قدر ممكن من المكتسبات في هذه المرحلة التي تتميز بضعف أمريكي واضح، وبالتالي يمكن عرضه “للبيع”، من كليهما، مع أول بوادر تغير ما في “صحة” القوة الأمريكية؟؟!!، هذا سؤال للأيام القادمة، فهي وحدها من يحق لها الإجابة عليه.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

361 News