الحياة السياسية في سوريا “من الجظ مظ الى الشيش برك” برس361

0 137

الإعلامي والمخرج نورس برو

برس361

– لقد أقنعتهم وكنت رائعاً ..!

— كنت رائعاً بماذا ؟ بالكذب ؟!

– بالسياسية يا “ليغاسوف” بالسياسة ..!

هذا الحوار الشهير والمقتضب من أحد الأفلام السينمائية والمسلسلات التي تناولت فترات الحرب الباردة وكارثة “تشيرنوبل” لم يكن مفهوماً بواقعيته كما هو بالنسبة لغالبية السوريين ما قبل الحرب السورية أواخر العام 2011 , لكنه أصبح مفهوماً الآن , لا بل ويحتمل التأويل والتفاسير في نقاشاتهم السياسية , كذلك الأمر بالنسبة لجملة الملك الشهيرة ل “أكيليس” بعد قتل الأخير لأبن الملك “هيكتور” في فيلم “Troy” عندما خاطبه قائلاً “حتى الأعداء يمكنهم أم يتمتعوا ببعض الاحترام” فالثقافة والحياة السياسيتين في سوريا بعد الحرب ليستا كمثيلتيهما فيها قبل الحرب ..!

 

في مراجعة مختصرة للتاريخ السياسي في القرن السوري الأخير، تشكلت عملياً معرفة النظام الاجتماعي والسياسي الذي عاشت سوريا في ظله منذ قرون خلال فترة الانتداب الفرنسي، والمحاولات التي قام بها قادة ما قبل الحرب العالمية الأولى من أجل تحديث الدعائم الهرمة لنظام الدولة العثمانية التي احتلت سوريا لأربعة قرون وفق التصورات الغربية؛ ذلك أن النظام الطائفي والمنظومة الإدارية العثمانية هما من نتاج الماضي، وباتا في تلك الحقبة يعثّران في سوريا صنع المستقبل.

فبعد انهيار السلطنة العثمانية، لم تُمنح سوريا الاستقلال الذي وُعدت به مرارًا إبان الحرب الأولى. كما أن عددًا من رجال السياسة السوريين، وهم خصوم معلنون للفكر الاستعماري، تصوروا نظامًا وسطًا بين الاستقلال والحماية، يسمح لبعض الدول بممارسة سلطة مطلقة إلى حدٍ ما، على الأراضي التي كانت عثمانية. سُمي هذا النظام بالانتداب الدولي، وهو ابتداع جديد في القانون الدولي آنذاك.

يتضمن هذا التعبير القانوني الحديث في لك الوقت معنى واسعًا وآخر تقنيًا. فبالمعنى الواسع، هو يعني نظام الانتداب الدولي كما جرى تحديده في المادة 22 من ميثاق عصبة الأمم، وهو نص أساسي في مادته. أما في معناه الأضيق، فهو يعني النص نفسه الذي ينظم ويحدد بدقة صلاحيات وواجبات القوة المنتدبة على الإقليم الذي تمارس عليه هذا الانتداب. وهكذا عندما نتكلم على الانتداب على الأراضي المنتزعة من الدولة العثمانية، إنما نقصد إعلانَي الانتداب الممنوحين لبريطانيا العظمى على فلسطين، ولفرنسا على سوريا ولبنان في 29 أيلول/ سبتمبر 1923..

الأجهزة المركزية، والأجهزة المناطقية والمحلية بمجملها، كانت تابعة لسلطات الانتداب الفرنسي. كما أن إدارة الانتداب لم تفتقر لا إلى الإرادات الطيبة ولا إلى الطاقات العديدة، “لكنها أظهرت عقمها من حيث الإصلاحات المُرضية. فجزء كبير من عملها، كالبنية التنظيمية السياسية التي أُنشئت، والحواجز والاتفاقات الجمركية التي أُقرّت، قد أخفق. وهو إذا أُضيف إلى سياسة قليلة التحرر تجاه الحركة الوطنية السورية التي تَصْلُب أكثر فأكثر، فهو مسؤول عن الاستياء السياسي والكساد الاقتصادي..

و بصرف النظر عن الظروف التي أحاطت بإقامة الانتداب، فإن السياسة الفرنسية في سوريا استوحيت دومًا من اللامبالاة الملحوظة تجاه رغبات السكان، “بَدءًا من المفوض السامي الذي، من خلال قرارات قنصلية، يبدّل ثم يلغي ليعيد البناء ثم ليلغي من جديد، ولا يستشير سوى تفضيلاته وأحكامه المسبقة، أو تفضيلات وأحكام معاونيه الفرنسيين، حتى مستوى مستشار القضاء الذي يدير ويشرّع وفق رغباته، كما أن كافة مستويات الإدارة الانتدابية مشوبة بعقلية الوصاية المطلقة تجاه السكان الموصومين بعدم الكفاءة وبكونهم في مرتبة أدنى ..!

 

ما سبق الى جانب العديد من العوامل المرافقة لمرحلة الانتداب دفع بعض المثقفين والنشطاء السوريين لإقامة حركات سياسية مناهضة لهذا الانتداب الى جانب الفكرة الأساس “الاحتلال واغتصاب الأراضي السورية” , هذه الحركات تجلت بطابعها القومي آنذاك والتي تطورت الى أحزاب , وتشكلت من خلالها الحياة السياسية في سوريا الجديدة ما بعد الانتداب وإبان الجلاء ..

استمرت هذه الحياة السياسية وما رافقها من تقلبات وانقلابات وتشكيل أحزاب فيما تضمن فترة الوحدة السورية المصرية حتى إقباض “البعث” على الحكم في سوريا ومن ثم تحديد أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية التي اقتصرت لعقود على “حزب البعث والحزبين السوري القومي الاجتماعي والشيوعي السوري الى جانب بعض الأحزاب الصغيرة نسبياً بالمقارنة مع الأحزاب المذكورة سابقاً , واستمر هذا الحال لعقود من الزمن , مخلفاُ ورائه ركوداً كبيراً في الحركة السياسية السورية و اقتصار ثقافتها الشعبية مع تطور وجود أجيال متتابعة من السوريين على ما ينتجه البعث في اجتماعاته ومقرراته ومناهج الدولة الدراسية وغيرها حتى أتت الحرب السورية التي أكلت أرواح السوريين وأبنائهم لكنها في المقابل أنتجت خلال سنواتها ثقافة سياسية جديدة لم يعتد عليها السوريين سابقاً …

هذه الثقافة مرّت بمراحل شائبة عديدة وأخرى مغلوطة وغيرها غير ناضجة ما أن تفتحت رويداً رويداً في السنتين الأخيرتين , حتى على مستوى تعاطي “البعث” مع مريديه وغيرهم أضف إليهم التعاطي الإعلامي الذي اختلف عن ما كان عليه في بداية الحرب من حيث التخبط وعدم النضج السياسي والانتقال الفجائي من الإعلام الفني والمجتمعي الى السياسي بتثقيف وتعليم يومي خاص مستفيداً من الأخطاء التي وقع فيها في الماضي , كذلك الأمر بالنسبة للمحللين السياسيين اللذين غاب أو غيب معظمهم ممن كانوا يحتلون الشاشات في بداية الحرب عن الصورة الحالية , هذه التفاصيل ترافقت بظهور حوارات سياسية أنضج من سابقاتها على مستوى المعرفة السياسية بين الناس ولو غطت عليها الظروف المعيشية السيئة في البلاد والذين بات حال لسانهم حال الإمام الشافعي يوم قال :

دع الأيام تفعـل مـا تشـاء وطب نفساً إذا حكم القضاء

ولا تجزع لحادثـه الليالـي فما لحـوادث الدنيـا بقـاء

وهذا ما أعده من أقوى مراحل النضج السياسي ..

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

361 news