لبنان بانتظار الحكومة: “فيشي” و”النحاس باشا” معاً..!! “برس361”

16

 الكاتب السياسي /أحمد حسن/ برس361

بصورة أو بأخرى، وبعيداً عن أي حكم أخلاقي، يمكن، في السياسة، ملاحظة علامات التشابه المتعدّدة التي تجمع مصطفى أديب القادمة في بحكومتي “” الفرنسية الشهيرة، كما بآخر حكومات النحاس باشا المصرية في العهد الملكي، رغم اختلاف الشخصيات الثلاثة الهائل.
وربما كان أهم هذه العلامات هو العامل الخارجي القسري بصفته مساهماً أولاً ورئيساً في تشكيل هذه الحكومات، فكما شكّل “” حكومته في ظلال حراب الاحتلال الألماني، وشكّل النحاس باش حكومته الأخيرة إثر الإنذار البريطاني الشهير المدعوم بالدبابات التي أحاطت بقصر الملك فاروق، ها هو مصطفى أديب يشكّل حكومته تحت حراب الرعاية الفرنسية والإنذار “الماكروني” المدعوم بسيف العقوبات الأمريكي.
وبالطبع هناك أوجه شبه أخرى، مثل الخضوع الداخلي، شبه التام، لهذه الإنذارات، بيد أن هناك فارقاً لا يمكن تجاهله بين الشخصيات الثلاثة، فالجنرال “” كان أحد جنرالات اللامعين في الحرب العالمية الأولى، والنحاس باشا كان أحد أبرز السياسيين المصريين إن لم يكن أبرزهم على الإطلاق وزعيم أكبر حزب مصري حينها، وهذا يعني امتلاكهما لحيثية سياسية وشعبية كبيرة، فيما مأثرة مصطفى أديب الفريدة وحيثيته الوحيدة أنه صهر أحد المستـشارين المقربين من ماكرون في قصر الإليزيه وتربطه علاقة طيبة مع برنار ايمييه المدير العام لجهاز الاستخبارات الفرنسي والسفير الفرنسي الأسبق لدى الذي “أوحى” باسمه لنادي رؤساء الحكومة السابقين ليفوز الرجل بلقب الرئيس المكلّف بغالبية نيابية موصوفة.
والحال فإن “ميزة” أديب هذه جعلته يتصرف بواقعية تامة..!!، هو مسؤول عن التأليف أمام ماكرون الذي كلّفه لا أمام الغالبية النيابية التي سمّته بعد ذلك، وتلك واقعية تحسب له لا عليه، لأن الرجل الذي شاهد كغيره عنجهية “ماكرون” في التعامل مع ، ومعظم قواه السياسية و”الشعبية” و”الثورية”، آمراً ناهياً مهدداً متوعداً، دون اعتراض جدي من أحد، يعرف جيداً أن الرئيس الفرنسي يمثّل في هذه المرحلة السيد الأمريكي الأبيض ويحمل أختامه – دون أن نغفل أن النموذج اللبناني ذاته وهو نتاج منظومة سياسية واقتصادية واجتماعية تابعة يتيح للسادة البيض مثل هذه العنجهية – لذلك وبالتبعية يمارس أديب “عنجهيته” الخاصة على الداخل، فهو لا يجتمع أو يتشاور في شأن التأليف إلا مع جهات محددة، مهدداً، بسوط من كلّفه، إما “ المهمة”، كما أسموها، وفي مهلة الـ 15 يوماً التي حددها ماكرون وإلا الاعتذار وتحملوا سوط العقوبات الأمريكية الذي طالت طلائعه علي حسن خليل ويوسف فنيانيوس وما يمثلان.
بيد أن الخطير في ذلك أمور عدة، أولها أن “أديب” لا يؤلّف الحكومة لأن الأسماء، بأغلبها، جاهزة سلفاً، والبيان الوزاري كُتب سابقاً في قصر الصنوبر، وما يبحث عنه هو فقط “بصمة” القوى السياسية على ورقة التشكيل.
ثاني هذه الأمور أن أديب لا يعترف بسلوكه هذا بنتائج الانتخابات النيابية الأخيرة، بل يبدو وكأنه جاء لإلغائها عملياً بعد أن تعذّر إلغائها فعلياً بسقوط الدعوات إلى انتخابات نيابية مبكرة بعد أن تبين للرعاة في الخارج أنها “غير مضمونة النتائج” كما اعترف”ديفيد ” مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى، وبالتالي عبثيتها وعدم جدواها.
ثالث هذه الأمور وأخطرها أن طريقة التأليف هذه تؤكد أن “ماكرون” ومن أرسله، وعلى غرار المحتّل الألماني في حالة “” والبريطاني في حالة “النحاس باشا”، لا يريدان إنقاذ فعلية للبنان، بل إنقاذ الأتباع في مما اقترفته أيديهم.. وانعاش، مجرد انعاش، النموذج اللبناني الطرفي، الرأسمالي تجاوزاً، الذي كادوا يهدموه بالكامل نتيجة فسادهم العلني الفاجر وصراعاتهم الصغيرة على “” آخذة بالتضاؤل بسبب تضافر عوامل داخلية وخارجية متشابكة بعضها من أمراض الرأسمالية ذاتها، وبعضها من أمراض النموذج نفسه الذي يبدو أن دوره الخدمي والمصرفي، وهو معجزته السويسرية الشرق أوسطية، قد بدأ بالأفول لمصلحة نماذج أخرى، دبي وحيفا مثلاً، تريد، ويراد لها، أن تأخذ هذا الدور الطرفي التابع بامتياز.
أما رابع هذه الأمور فيتعلق بدور هذه الحكومة الخارجي وهو ما حدّده “” سلفاً بالقول إن عليها “أن تتمسك بمبدأ النأي بالنفس. ينبغي أن تكون تخرج من سياسات دول المنطقة”، وهذا كلام دبلوماسي جميل لكن لا يوجد له في السياسة إلا تفسير واحد لا غير: النأي الكامل عن إيران والمقاومة وسياساتهما والانحياز الكامل للمشروع الغربي ضدهما.بهذا المعنى تبدو أديب العتيدة، إذا شُكلت وفق ما كُتب لها في قصر الصنوبر، انقلاباً دستورياً على نتائج الانتخابات النيابيّة الأخيرة، وحصان طروادة سياسي أمريكي بقالب فرنسي، أما ما يقال عنها من قبيل أن “ المهمة” يحب ألا تتجاوز 14 وزيراً من خارج المنظومة السياسية وبعيدة عن التأثر بها؛ لكي تتمكن فعلاً من البدء بعملية النهوض، واستعادة الثقة الدولية التي دمرتها الحكومات السابقة”، فهو حديث خرافة يا أم عمرو، كما يقول المثل، ففي بلد مثل يعرف فيه الجميع أن جملة “وزراء من خارج المنظومة السياسية” تعني بوضوح تام أنه يراد منهم أن يكونوا بالكامل من داخل المنظومة السياسية لقائلها وهو هنا “قصر الإليزيه” و”البيت الأبيض” أولاً.
لذلك تدور في الآفاق أسئلة عدة، منها هل ينجح حزب الله، ومن معه، بتغيير بعض ما كُتب في “قصر الصنوبر” عبر وسائل عدة يمتلكونها، منها توقيع رئيس الجمهورية الملزم على التشكيلة الحكومية لترى النور، ومنها التمسك بوزارة المالية لرئيس المجلس النيابي لاحترام ميثاقية التوقيع الشيعي الثالث في بلد الطوائف السياسية، ومنها استخدام الأغلبية النيابية لعدم منحها الثقة، أم يتبع الحزب وحلفائه أحكام “فقه الواقع” ويمرران الحكومة حالياً بانتظار الوقت المناسب، ثم يستخدمان الشارع وسيف المسائلة النيابية الدائمة لجعل مصيرها لاحقاً كحكومتي والنحاس باشا الأخيرة، ذلك هو سؤال الأيام، بل الساعات القليلة القادمة.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.