لا يتحرك ولا يتكلم لكنه كتب رواية برمش عينه فأصبحت الأكثر مبيعاً.. تعرّف على قصة جان دومينيك بوبي “برس 361”

19

كيف يمكن لشخص أصيب بالشلل ولا يستطيع الحركة أو الكلام أن يصبح كاتباً مشهوراً ويكتب تباع منها ملايين النسخ، ربما بإغماض رمش عينه اليسرى 200 ألف مرة! أو هذا هو الأسلوب الذي اتبعه الكاتب الفرنسي الملهم  ليكتب روايته الشهيرة “”.

تعال لنعرف قصة هذا الروائي الملهم، الذي أصبحت روايته -التي نشرها قبل يومين فقط من وفاته- الأكثر مبيعاً في أوروبا.

غيرت مسار حياته

قبل يوم 8 ديسمبر/كانون الأول 1995، كان كل شيء طبيعياً في حياة دومينيك، فكان يعمل محرراً وكاتباً صحفياً، حيث ترأس إدارة تحرير مجلة Le Matin de Paris، وأدار قسم الثقافة في المجلة الأسبوعية Paris Match، كما عمل في هيئة تحرير مجلة الأزياء الفرنسية الشهيرة ELLE،  وكان يمارس حياته بشكل عادي، لكن فجأة أثناء قيادته سيارته مع ابنه تعرض لجلطة حادة في جذع الدماغ غيرت شكل حياته بعدها.

مع ابنه وابنته قبل إصابته بالشلل

إذ استيقظ بعد 20 يوماً من الجلطة ليجد نفسه غير قادر على الحركة، ولا الكلام، ويجد أن الشيء الوحيد الذي أصبح قادراً على فعله، و”الشباك الوحيد زنزانته”، كما وصفه، هو الرمش بجفن عينه اليسرى، بعد أن كان يمارس كل شيء بطريقة طبيعية طوال 43 عاماً.

إذ أصيب الكاتب بمتلازمة المنحبس (LOOKED-IN SYNDROME)، وهي الإصابة بالشلل الرباعي مع بقائه في حالة وعي، وفي هذه الحالة المرضية، يستطيع المريض الاستيقاظ ويكون عقله واعياً لما يدور حوله ويعمل بشكل طبيعي، لكنه لا يكون قادراً على التواصل الشفهي مع الآخرين، لأن كل عضلاته تقريباً تكون في حالة شلل كامل، لكن عضلات العينين تقريباً هي العضلات الوحيدة التي قد لا تتأثر. لكن مع دومينيك حتى إحدى عينيه تأثرت، وبقيت عينه اليسرى لتكون سبيله الوحيد للتواصل مع العالم.

بعد هذا اليوم المشؤوم، تحولت حياة دومينيك تماماً، إذ فقد 27  كيلوغراماً من وزنه في الأسابيع العشرين الأولى (5 أشهر تقريباً) بعد الحادثة، وأصبحت حياته مزرية، حتى أن تواصله مع ابنه وابنته أصبح أصعب، فتخيل أن تمزح مع ابنتك برمش عينيك ببطء شديد، لن يفهم أحد المزحة، خاصةً الأطفال الصغار، وهذا الأمر ثقيل على إحساسه وإدراكه، ولا يستطيع حتى التعبير عن مدى تأثره بهذا، فوعيه ومشاعره اللذان يعملان بصورة طبيعية حبيسان الجسد الراقد على الفراش.

ألف ، وكتبها برمش عينه

ظن الجميع أن حياة الكاتب الشهير المهنية انتهت بعد هذه المأساة، لكنه لم يستسلم لجسده المقعد، وألف  في خياله، وبدأ في البحث عن طريقة ليكتبها بها ويخبر العالم حوله بما يدور في ذهنه.

يكتب الرواية مع مساعدته الشخصية

اخترع دومينيك أبجديته الخاصة، وقرر استخدام الأسلوب الوحيد الذي يُمكنه التواصل به، وهو الفحص بمساعدة شريك (Partner-assisted scanning)، ولازمته مساعدته الشخصية كلود ميندي بيلش، حتى كتبا ” (THE DIVING-BELL AND THE BUTTERFLY) حرفاً حرفاً بطريقة بالغة الصعوبة.

إذ تقوم مساعدته بنطق حروف الأبجدية على مسامع دومينيك، حسب الأكثر استخداماً في اللغة الفرنسية لا بالترتيب الأبجدي ليصبح تكوين الكلمات أسهل نوعاً ما، ثم تراقب حركة عينيه، إذا قالت الحرف الصحيح يرمش دومينيك بعينه فتدونه، وهكذا يسجلان حرفاً حرفاً لتكوين كلمة، ثم كلمات، ففقرات، فصفحات، حتى استطاعت الممرضة بعد شهرين، كتابة الرواية التي ألفها دومينيك في رأسه ورواها بـ 200 ألف إغماضة للعين.

روحه كالفراشة، وجسده يرتدي بدلة غطس ثقيلة

لكن ماذا يكتب كاتب مرموق فقد القدرة على الحركة للأبد؟ بالطبع، يكتب عن هذا الجسد “الثقيل الجامد كالحجر” الذي يعيقه كأنه يرتدي بدلة غطس ثقيلة، بينما هو في الحقيقة يشعر وكأنه فراشة تحلق في ذاكرته وبين الأمكنة والأزمنة المختلفة بسلاسة وحرية ودون عوائق، كما وصف روحه التي راحت تعوض عدم حركة الجسم بفرط حركة وأمنيات وخيالات.

“من حيث ينتهي المـُتاح، يبدأ الإبداع، والأنفس الحرّة وإن غدت جثثاً، قادرةٌ على الطيران. درسان عميقان من لم تكلّف نفسها عناء الوعظ والإرشاد، فكلّ ما فعله الكاتب أن أصرّ على الحياة، ولمثل تلك المهمّة يكفي أنف ورئة للتنفّس، وبلعوم لتلقّي الغذاء، ورمش عين يُسرى لباقي الأدوار!”.

ولم ينس أن يحكي عن طاقم التمريض الذين ساعدوه في رحلة علاجه الصعبة، كتب أيضاً عن ابنه وابنته الصغيرين اللذين يتعاملان معه بحذر شديد بعد تشوه ملامح وجهه وأصبحا لا يفهمانه، وكانت طريقة تعبيره الوحيدة عن حبه لهم هو بالبكاء!، كما وصف تجنب نزلاء المستشفى له بسبب شكله الذي تغير، وسبح أيضاً في أزمنة وأمكنة أخرى، فتحدث عن تاريخ المبنى الذي يعالج فيه والذي يعود إلى عهد نابليون الثالث.

“إن هنالك الكثير ليفعله. يمكن أن يطير في الفضاء أو عبر الزمن، أن يرتحل إلى أرض النار أو فناء قصر الملك ميداس. يمكن أن يزور المرأة التي يحب، ينزلق إلى السرير بجانبها ويداعب وجهها وهي نائمة. بإمكانه بناء قصور في إسبانيا، والاستيلاء على الصوف الذهبي، واكتشاف أطلانطس، وتحقيق أحلام الطفل ومنامات الكهل”.

كما يتماهى مع شخصية الجد نوارتييه في “الكونت دي مونت كريستو” لألكسندر دوما، وهي الشخصية الوحيدة التي ظهرت في الأدب تعاني ، ويعيد دومينيك قراءة الرواية في خياله وبذكرياته وآلامه وأحلامه.

ملهمة للعالم، ونهاية ليست سعيدة للكاتب

صدرت التحفة الإنسانية والأدبية في السابع من مارس/آذار 1997، ولاقت استقبالاً حافلاً من النقاد والجماهير، ليس للظروف الإنسانية الصعبة التي كتب فيها الكتاب فقط، بل أيضاً بفضل الأسلوب الخيالي الرائع في وصف دومينيك لشعوره.

حققت الرواية مبيعات ضخمة ببيع 25 ألف نسخة في أول أيام النشر، وارتفع العدد إلى 150 ألفاً في الأسبوع الأول، كما أصبحت الرواية الأكثر مبيعاً في جميع أنحاء أوروبا في هذا العام وبيعت منها ملايين النسخ بعد ذلك.

لكن النهايات ليست دائماً سعيدة، فقد توفي دومينيك بعد صدور روايته بيومين فقط، وتحديداً في التاسع من مارس/آذار 1997، بسبب مضاعفات الالتهاب الرئوي (مرض ذات الرئة)، لكنه قبل أن يرحل ترك لنا تحفة أدبية ملهمة ختمها بتساؤل عرف الجميع إجابته.

“هل هناك في هذا الفضاء مفاتيح لأفتح بذلة غوصي؟ خطّ مترو دون محطّة وصول؟ عملة قوية بما يكفي لأشتري حرّيتي من ؟ يجب أن أبحث في مكان آخر. سأذهب إليه”.

عن الرواية

في عام 2007، تحولت الرواية إلى حمل الاسم نفسه وأدى بطولته الممثل الفرنسي ماثيو أمالريك، وقد حاز الفيلم الذي أخرجه المخرج الأمريكي جوليات شنابل ترشيحات وجوائز مرموقة، بينها جائزة أفضل مخرج في مهرجان كان،  وجائزة السعفة الذهبية لأفضل فيلم بلغة أجنبية، وأفضل مخرج، كما ترشح لأربع جوائز أوسكار.

إعداد: تمام أحمد “برس 361”

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.