ترامب يهدد بـ «رفض» نتائج الانتخابات: أنا أو الفوضى هل باتت أمريكا على أبواب حرب أهلية؟

4

 

الكاتب السياسي /شريف عبد الحميد/القاهرة

<< محامي الرئيس يؤكد: أخشى أنه إذا خسر ترامب الانتخابات لن يكون هناك «انتقال سلمي للسلطة»

<< بيل كلينتون: ترامب سيقوم بـ«تكديس أكياس الرمل» حول البيت الأبيض حتى لا يتمكن أحد من إخراجه!

<< ميليشيات «المحافظون على العهد» اليمينية المتطرفة تدعو أعضاءها إلى الاستعداد لـ «حرب أهلية» ساخنة

لم تكن تصريحات الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، مؤخرًا، التي قال فيها إن دونالد ترامب سيقوم بـ«تكديس أكياس الرمل» حول البيت الأبيض، حتى لا يتمكن أحد من إخراجه إذا خسر الانتخابات، على سبيل المزاح، كما اعتبرت بعض كبريات الصحف العالمية، بل إن ثمة مخاوف متنامية في الولايات المتحدة من حدوث ذلك بالفعل، مع ما قد يترتب على هذا – حال حدوثه- من مخاطر كارثية جسيمة، لن تقتصر على أمريكا، بل ستمتد إلى العالم أجمع.

تصريحات كلينتون جاءت أثناء حديث أجراه هو وزوجته هيلاري مع شبكة «أميركان إيربان راديو”، حول توقعاته لما سيحدث في الانتخابات الرئاسية المقبلة، المقرر إجراؤها في نوفمبر «تشرين الثاني» المقبل.

وفي يوليو «تموز» الماضي، قال ترامب في مقابلة مطوّلة مع كريس والاس مقدم برامج «فوكس نيوز»، إنه لا يعلم ما إذا كان سيتقبل نتائج الانتخابات الرئاسية في حال خسارته، قائلًا إنه لا يتفاعل جيدًا مع الخسارة. وأوضح قائلًا: «أنا لست خاسرًا جيدًا، أنا لا أحب الخسارة… لا أعلم ما سأفعل حتى حصول الأمر، هذا يعتمد على ما سيجري… سوف نرى».

وأكد ترامب، في المقابلة، تشكيكه بنظام التصويت عبر البريد، معتبرًا أن عملية التصويت هذه ستؤدي إلى «غش» في الانتخابات الرئاسية. وذكّر الرئيس الأمريكي بموقفه في الانتخابات السابقة، حين رفض آنذاك أيضًا التأكيد على أنه سيتقبل نتيجة الانتخابات في حال خسارته أمام منافسته هيلاري كلينتون، فقال: «أنا لن أجزم وأقول نعم سوف أتقبل النتيجة، ولن أقول لا لن أتقبلها أيضًا، وهذا ما فعلته في الانتخابات السابقة».

في المقابل، علّق بايدن – في حينه – على تلميحات ترامب باحتمال رفضه لنتيجة الانتخابات في حال خسارته، قائلًا إن الجيش الأمريكي سيرافق ترامب خارج البيت الأبيض في حال أصر على عدم التنحي.

أنا.. أو الفوضى!

ومثل أي ديكتاتور من العالم الثالث، وفي تصريحات غريبة أعادت إلى الأذهان ما قاله الرئيس الأسبق حسني مبارك ذات يوم، حذّر ترامب في 22 أغسطس «آب» الماضي، من أنّ تحديد نتائج الانتخابات الرئاسية قد يستغرق أسابيع وربما شهوراً.

وقال الرئيس الأمريكي في خطاب ألقاه أمام مجلس السياسة الوطنية، إنه لن يكون بالإمكان معرفة نهاية هذه الانتخابات ربما إلى الأبد. وزعم ترامب أن الديموقراطيين كانوا يروجون للتصويت عبر البريد بهدف التلاعب بالنتائج، مؤكدًا عدم استعداد بلاده لفرز 51 مليون بطاقة اقتراع في ظل تفشي وباء كورونا.

ورأى أن الديمقراطيين سيجلبون الفوضى إلى الولايات المتحدة، إذا أوصلت الانتخابات جو بايدن إلى مقعد الرئاسة في البيت الأبيض. وأشار إلى فكرة القانون والنظام في الولايات الأمريكية، قائلًا إن الشرطة تم إضعافها في المدن «التي يديرها الديمقراطيون»، مطالبًا الأمريكيين بالابتعاد عن «الاشتراكيين والماركسيين اليساريين الراديكاليين».

وأعلن ترامب أنه «لو انتصر خصومنا فلن ينعم أحد بالأمان في بلادنا». وأضاف: «أنا الوحيد الذي يقف حائلًا بين الحلم الأمريكي والفوضى العارمة والجنون والتخبط»!

وسيكون عدم اعتراف ترامب بخسارته في الانتخابات الرئاسية المقبلة أول حالة من هذا النوع في تاريخ الولايات المتحدة. ففي الانتخابات الرئاسية السابقة التي كانت فيها نسب الفوز والخسارة بين المتنافسين الجمهوري والديمقراطي متقاربة مثل هزيمة جون كينيدي لريتشارد نيكسون في عام 1960، أو هزيمة بوش لآل جور في عام 2000، اعترف المرشح الخاسِر بخسارته تلك الانتخابات.

ويعتقد السياسيون الديمقراطيون ومعظم المراقبين ‏المحايدين أن انتقادات ترامب للانتخابات الرئاسية المقبلة، وزعمه أنها ستكون الأقل دقة والأكثر تزويرًا في التاريخ  إذا اُعتُمِد نظام التصويت عبر البريد، ودعوته في 30 يوليو «تموز» الماضي إلى تأجيلها إلى حين أن يكون بمقدور الناخبين التصويت بشكل مناسب وبسلام وأمان (وهو ما تراجع عنه في اليوم التالي بعد رفض جمهوري وديمقراطي)، هي في الأساس نتاج خوفه من خسارة انتخابات «تشرين الثاني» المقبل، وأنه يحاول إحباط ناخبي بايدن المحتملين، أو يخلق أرضية للطعن في نتيجة تلك الانتخابات في حال خسارته لها.

ويشير عدد من المؤشرات إلى أن الرئيس ترامب قد لا يعترف بخسارته الانتخابات الرئاسية لصالح منافسه الديمقراطي جو بايدن. وتتمثل أولى تلك المؤشرات في تصريحات الرئيس نفسه، وعدم تقديمه إجابة صريحة على تساؤل ماذا لو خسر الانتخابات الرئاسية المقبلة؟؛ فخلال مقابلة مع ‏قناة فوكس نيوز الأمريكية (الموالية له وللجمهوريين بشكل عام)، يوم 19 يوليو «تموز» الماضي، رفض الرئيس الأمريكي التعهُّد بالاعتراف بنتائج الانتخابات في حال خسارته لها. وصرَّح ردًا على سؤال حول ما إذا كان ينوي رفض ‏الاعتراف بنتائج الانتخابات حال خسارته لها، بأنه لا يُحب أن يخسر، ثم قال بعد الضغط عليه بشأن ما إذا كان سيقبل نتائج انتخابات نوفمبر«تشرين الثاني»: «يجب أن أرى، لا أنوي أن أقول نعم وحسب. ولا أنوي أن أقول لا»!

ولم تكن تلك المرة الأولى التي يعلن فيها ترامب أنه لن يقبل نتيجة الانتخابات الرئاسية، إذ قال في السابق خلال مناظرته التلفزيونية الأخيرة ضد منافسته الديمقراطية «هيلاري كلينتون» في الانتخابات الرئاسية لعام 2016، إنه غير متأكد من أنه سيَقبَل نتيجة تلك الانتخابات إذا خسرها.

ويتعلق ثاني المؤشرات التي تدفع بتوقُّع عدم اعتراف الرئيس الأمريكي بخسارة الانتخابات الرئاسية المقبلة في حال حصل ذلك، بتصريحاته حول أن خسارته الانتخابات ستكون نتيجة ما شهدته من تزوير. ففي تغريدة له على حسابه بموقع تويتر في 22 يونيو «حزيران» الماضي، ذكر أنه ربما يخسر الانتخابات المقرر إجراؤها في نوفمبر «تشرين الثاني» بسبب التزوير، وجادل بأن التصويت عبر البريد في الانتخابات الذي يطرحه الديمقراطيون خيارًا بديلًا في ظل استمرار جائحة كوفيد-19 قد يؤدي إلى تزوير الانتخابات. وفي الشهر نفسه قال ‏إن الانتخابات الرئاسية هذا العام ستكون «أكثر الانتخابات فسادًا في تاريخ بلدنا».

وينصرف ثالث تلك المؤشرات إلى ترديد المؤيدين لترامب مزاعمه بشأن تزوير الانتخابات الرئاسية المقبلة، ومن أبرزهم المدعي العام وليام بار (وزير العدل الأمريكي) الذي زعم أن الحكومات الأجنبية قد تختطف الانتخابات ببريد مزيف.

ويرتبط رابعها بتوقُّع مايكل كوهين، المحامي السابق لترامب وأحد المقربين السابقين منه، خلال جلسة استماع، أن ترامب لن يغادر البيت الأبيض إذا خسر الانتخابات. فقد قال ما نصه «بالنظر إلى خبرتي في العمل مع السيد ترامب، أخشى أنه إذا خسر الانتخابات في عام 2020، أنه لن يكون هناك انتقال سلمي للسلطة».

الديمقراطية الأمريكية على المحك

يرى المراقبون أن عدم قبول ترامب بنتائج الانتخابات الرئاسية التي ستجري في 3 نوفمبر «تشرين الثاني» المقبل، في حال خسارته لها، وعدم ترك البيت الأبيض في 20 يناير «كانون الثاني» المقبل للرئيس المُنتَخَب الجديد، سيضع الديمقراطية الأمريكية على المحك بصورة غير مسبوقة في التاريخ الأمريكي، وهو الأمر الذي يدفع الكثيرين لتوقُّع أن تشهد الولايات المتحدة صراعًا سياسيًا، في حال دعم معظم قادة الحزب الجمهوري على المستوى الوطني، وفي الولايات الرئيسية وكذلك وسائل الإعلام المحافظة مثل فوكس نيوز، مزاعم ترامب، فضلًا عن مواصلة الرئيس الجمهوري العمل على حشد قاعدته حول تلك المزاعم.

ويذهب بعض المراقبين إلى أبعد من ذلك، حيث يقول المحلل السياسي أندريه شكولنيكوف، في تحليل له نشرته صحيفة «الإزفستيا الجديدة»، مؤخرًا، إن «الحرب الأهلية في الولايات المتحدة باتت أمرًا لا مفر منه».

أضاف شكولنيكوف، «حتى الآن، كل ما يحدث في أمريكا ليس أكثر من مناورات قريبة من التدريبات العسكرية، أما الأحداث الرئيسية فسوف تتكشف لاحقًا وستكون أكثر صرامة وسوءًا. لقد أصبح الحديث عن الحرب الأهلية الأمريكية الجديدة أكثر شيوعًا. منذ حوالي عام بدأت إشارات مثيرة للاهتمام تأتي من وراء المحيط، وبدأ الخبراء وأولئك الذين يعيشون هناك في ملاحظة عمق الانقسام والاتفاق على أن المواجهة يمكن أن تصل إلى المرحلة العسكرية.

وأوضح المحلل الروسي أنه في عام 2010، أصبح الخلاف في النخبة العالمية واضحًا، في عام 2014 ظهرت التصدعات الأولى في النظام السياسي والإداري للولايات المتحدة. في عام 2016، تحولت الشقوق إلى انقسام واستقطاب في المجتمع الأمريكي. في منتصف عام 2020، أدرك حتى الصحفيون احتمال الحرب الأهلية، ولم يعد من الممكن تحميل مسؤولية التناقضات لـ «الرئيس المهرج»، الذي سيعزل قريبًا أو يجبر على القيام بما ينبغي.

ولفترة طويلة، كان الرادع الرئيسي للانتقال إلى سيناريو الحرب الأهلية هو عدم رغبة طرفي النزاع في الذهاب إلى النهاية. لكن في اللحظة التي تتوقف فيها النخب المالية والصناعية الأمريكية عن ضبط نفسها وتسعى لتحقيق النصر بأي ثمن، سيتم تحديد الاتجاه الرئيسي والطريق إلى المستقبل – الحرب أو العار.

وهناك سابقة تاريخية أمريكية هي الحرب الأهلية التي استمرت زهاء أربع سنوات في القرن التاسع عشر (1861- 1865)، بسبب الخلاف بشأن تحرير العبيد، بين الحكومة الفيدرالية مدعومة بالولايات الشمالية والولايات الجنوبية (الكونفدرالية). وقد خلفت تلك الحرب حوالي 800 ألف قتيل على أقل التقديرات.

وربما يجادل البعض بأن الولايات المتحدة اليوم ليست الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر، وبأن الحكومة الفيدرالية تملك من أسباب القوة والسطوة والمؤسسات والتراكم الدستوري والقانوني وتراكم الخبرات، ما لن يسمح بانفلات شرارة حرب أهلية، وهذا صحيح إلى حد كبير. ولكن هذا لا ينفي إمكانية تفجّر نوع من «الصراع الأهلي»، خصوصًا إذا ما أخذنا في الاعتبار انتشار الأسلحة الهجومية في أمريكا، ودرجة الانقسام المجتمعي بين اليمين واليسار، ومحبي ترامب وكارهيه، وصعود التيارات اليمينية العنصرية وتناميها. ومما يزيد من خطورة الوضع أن ثمّة عشرات الميليشيات اليمينية العنيفة موزعة في كل أنحاء الولايات المتحدة، ولديها، تاريخيًا، حساسية وبغض للسلطة الفيدرالية.

وما يعضد هذه المخاوف، أنه حين لمّح ترامب، نهاية شهر سبتمبر «أيلول» من العام الماضي، إلى إمكانية تفجر حرب أهلية أمريكية إن نجحت جهود الديمقراطيين في إقالته، سارعت بعض تلك الميليشيات اليمينية المتطرفة، مثل Oath Keepers (المحافظون على العهد)، إلى دعوة أعضائها إلى الاستعداد لـ «حرب أهلية ساخنة كما جرى عام 1859». ولم تتردّد هذه الجماعة في التهديد بإعلان التعبئة العامة إذا أمرها ترامب بذلك، والإعلان عن عصيان مسلح إذا رأت أن قرارات الحكومة الفيدرالية «غير دستورية».

وبغض النظر عن مدى واقعية إمكانية تفجّر حرب أهلية أمريكية، أو أيٍّ من أشكال الصدام المسلح المحدود بين أنصار ترامب والحكومة الفيدرالية، أو بين أنصاره ومعارضيه، إلا أن ثمّة حقيقتين لا جدال فيهما: الأولى، أن أمريكا تعيش انقسامًا مجتمعيًا وسياسيًا حادًّا يصعب جسره، إذ إنه متصل بسؤال أي أمريكا نريد. الثانية، وهي مؤسسة على الأولى، أن رئاسة ترامب غرست بذورًا سامة في الحياة السياسة والثقافية الأمريكية، إن أثمرت يومًا قد تنتج للعالم فاشية أو نازية جديدتين، أشد خطورة وعنفًا.

 

 

المصادر:

  • ترامب يلوّح بالفوضى: قد لا نعرف نتائج الانتخابات الأميركية للأبد، الميادين نت، 2 أغسطس «آب» 2020.
  • كلينتون: ترامب «سيكدس أكياس الرمل» حول البيت الأبيض «حتى لا يتمكن أحد من إخراجه»، الشرق الأوسط، 3 سبتمبر 2020.
  • ماذا لو رَفَضَ ترامب الاعتراف بهزيمته في الانتخابات الرئاسية لعام 2020؟ مركز الإمارات للدراسات، 9 أغسطس «آب» 2020.
  • لماذا أمريكا على أعتاب حرب أهلية جديدة؟ عربي بوست، 12 ديسمبر «كانون الثاني» 2019.
  • الولايات المتحدة تشهد بروفة لحرب أهلية جديدة، موقع قناة روسيا اليوم، 2 يونيو «حزيران» 2020.

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.