البحث عن البنزين : قصة غير أدبية من قصص أساطير الخريف في سوريا ..! “برس361”

70

الكاتب السياسي والاعلامي /نورس برّو/برس361

بدأت رحلتي مع الطيور المهاجرة باتجاه محطات البنزين من مدينة “جرمانا” في ريف دمشق  السوريةبحثاً عمّا يروي ظمأ سيارتي التي لم ترتوي منذ أيام , هذه السيارة في حالتي بمثابة القدم الثالثة لمريض سرطان و بمثابة مساعد شخصي غير موهوب لكن لا مفر منه في عملي الإعلامي على الأرض ..

الرحلة بدأت من آخر “جرمانا” المكتظة بكل من لجأ إليها خلال الحرب هرباً من القذائف و سلاسل النار , الكازية الأولى “كازية قسّام” بدت مهجورة كبيت مسكونٍ بالأشباح , قلت “لا منآذينا ولا منآذيكن” فتوجهت الى كازية “يا هلا” على طريق المطار والتي بدت كاستراحة طريق ما بين دمشق وحمص خالية إلا من عمالها اللذين يشربون “المتة” على رصيفها , قلت في نفسي لا بأس لن أفقد الأمل , توجهت الى كازية “ساحة الرئيس” , في مقابلها تمثال للرئيس الراحل حافظ الأسد , بدا وكأنه ناظراً إليها متحسراً على ما وصلت إليه بلاد النفط والغاز والحليف الروسي المتخم بأنابيبه الغازية والمصدر منها الى جميع دول العالم إلا هذي البلاد ..! ( فلنعد النظر هنا في مصطلح حليف )

 

أكملت رحلتي خارج “جرمانا” واصلاً الى دمشق بما تبقى من ليترين بنزين تقريباً في السيارة عيني على مؤشرهما الخجول أمامي من النزول أكثر فهدف هذه السيارة طوال الوقت أن تكبر بعيني لما تقدم لي من خدمات , على أعتاب “باب شرقي” أرى بداية لسرب من السيارات , أمشي محاذياً له بما يعادل العشر دقائق حتى أراه واصلاً “باب شرقي” ب “باب توما” و كازيتها المتخمة “بالموتورات” و”بوادين” المياه التي تستجدي عمال الكازية في تعبئتها بالبنزين , هنا بالضبط ولأول مرّة أعرف ماذا يعني مصطلح “التعبئة العامّة” حرفياً ..!

أقول في نفسي , علّي أجد ازدحاما أقل في كازية أخرى , وأكمل هذا الطريق “طريق الحرير” مستذكراً محمود درويش يوم قال :

“سأقطع هذا الطريق الطويل ..

الى آخره ..

الى آخر الدرب ..

سأقطع هذا الطريق ..”

لكن دون البحث عن “وردة في الجليل” , لأن الأولوية هنا و أعتذر .. للبنزين ..!

تابعت باتجاه “ساحة التحرير” المحتلّة من قبل كافة أنواع السيارات وأشكالها عاقداً الآمال على “كازية الجد” , المشهد الجنائزي المتمركز هناك على وجوه السائقين الواقفين المنتظرين منذ الليلة السابقة أفادني بوفاة “الجد” ربما , قلت في نفسي : ثيابي ليست مناسبة لتقديم واجب العزاء اليوم , فلأتقدم وأعد لاحقاً ….

 

ليس ببعيد عن “ساحة التحرير” وجهت شطر نظري نحو “كازية الأزبكية” في بداية شارع بغداد , نهايته من جهة الساحة أنذرتني فوراً بوجوب نهاية محاولتي في الوصول إليها , سيارات على مد النظر ( كما هو موضح في الفيديو المرفق ) تنتظر دورها في الوصول الى ما قد يكون “سراباً” في النهاية , فلطالما وصل السائقون الى “طرنبات” البنزين فوجدوها خالية كما صاح بي أحد سائقي “الهوندايات” قائلاً : لا تصورني يا أستاذ ما يفلت لساني , هلق بنوصل منلاقي الكازية خالصة من البنزين ..!

ليقفز أمام نافذة سيارتي رجل خمسيني وبغضب يقول : صور أستاذ .. صور .. بلكي بيحسّو عدمن شوي .. ألي 24 ساعة ما فتت ع البيت وأنا ناطر عبّي بنزين لأشتغل وطعمي اولادي , يلعن أبو هال………..!

وبعد أن استيقظت من “رعبتي” التي أهداني إياها الرجل الخمسيني السابق , سألت “أبو علاء – سائق سيارة أجرة”, والذي “نكشت” اسمه من خلال لوحة وضعها في مقدمة النافذة الأمامية لسيارته مع الرقم لأي طلبات خاصة , منذ متى وأنت واقف هنا يا أبو علاء ؟ قال : ( بقهر ) الله يفرّج أحسن شي , وأدار وجهه بعيداً كما في مشاهد أفلام “فيليني” الكلاسيكية …

 

قلت في نفسي “هل أعود خائباً ؟!” حتى نهرني مؤشر البنزين عن ذلك من خلال وقوفه على الحدود الدنيا في العدّاد , فقلت “لا مفر , البحر من أمامكم و العدو من ورائكم” فأكملت تجاه البحر الهائج براكبيه و سائقيه ..

وصولاً الى “كازية الفحامة” وبداية من الدور القادم من الشرق , أي من آخر الجسر الواصل بين “نهر عيشة” ومنطقة “الفحامة” وقفت منتظراً ….

في الأثناء وخلال رحلة انتظار قاربت الأربعة ساعات متواصلة تعرفت فيها على مختلف أًصناف السائقين والبشر وطرائق تفكيرهم في العيش بهذا الأسلوب الجديد , بحثت عن ما يتعلق بأزمة البنزين الحالية في البلاد , أول ما صادفته كان تصريح لمصدر في وزارة النفط السورية  قال بأن الأزمة ستحل خلال أسبوع , فالتوريدات الجديدة سوف تصل في هذا الوقت مما سيحل الأزمة , نظرت الى تاريخ الخبر فإذا هو منذ أسبوع ..! ابتسمت لا إرادياً ابتسامة يعرفها جميع السوريون ..!

المصدر ذاته كان قد أعلن أنه تم تخفيض مادة ​البنزين​ للسيارات من 40 لترا للسيارات الى 30 لترا شهريا، بسبب نقص المادة وعزت شركة المحروقات هذا الازدحام الى نقص المادة، بينما عزا آخرون ذلك الى ازدياد الطلب على المادة بسبب فصل الصيف وازدياد رحلات السفر بين المحافظات والى المناطق الساحلية وسط محاولات تسيير “صهاريج” جوّالة بغية تخفيف الضغط عن المحطات، ولكن دون جدوى.

في “حماة” ونقلاً عن صفحات إخبارية قالت إنَّ شخصًا مدنيًا فارق الحياة، نتيجة مشاجرة جماعية أمام محطة “المدني” بغية الحصول على مادة البنزين  ..!

في “حمص” مصادر محلية قالت إنَّ الأهالي يضطرون للوقوف أكثر من 6 ساعات أمام محطات الوقود مضيفة بأنَّ جميع محطات المدينة تعاني من شح بالمادة، عدا كازية “الشعلة” الحكومية التابعة لمؤسسة “سادكوب”، وهو ما يؤدي لتواجد طابور من السيارات يمتد لأكثر من 2 كيلومتر على هذه المحطة بالتحديد.

 

أما في في “حلب” فحركة السيارات في المدينة باتت شبه معدومة، وخاصًة بالنسبة لسيارات النقل العمومي التي بات همها الحصول على مخصصاتها.

في الوقت الذي تكتظ فيه المحطات بالسيارات التي تحاول الحصول على مخصصاتها، وتقل تدريجياً حركة المواطنين من غير مالكي السيارات نتيجة توقف النقل العام.

في السوق السوداء بحلب، وصل سعر لتر البنزين إلى 1500 ليرة سورية كذلك في دمشق ، بينما سعر البنزين المدعوم في المدينتين يبلغ 250 إلى ليرة سورية والحر 450 .

 

وأخيراً وبعد طول انتظار ومطالعة , وصلت الى الدور , كانت الساعة قد قاربت الثامنة والنصف مساءً , طلبت من عامل الكازية أن يقوم بتعبئة عشرين ليتر لي فقط لا غير , فاعتذر منّي “بنرفزة” وغضب دون ذكر أية أسباب , فهمت المقصود وعلمت فوراً أنه هناك سعر إضافي للتعبئة , فلكي تقوم بتعبئة عشرين ليتر عليك أن تدفع 1000 ليرة سورية في الحدود الدنيا للعامل , عمال آخرون يتقاضون 2500 ليرة سورية حسب ما إن كنت ستقوم بالتعبئة بشكل مدعوم أم حر , قلت في نفسي “هذه رشوة” لن أقوم بتقديمها , شاب كنت قد سمحت له بالولوج بسيارته أمامي في الدور أثناء الانتظار , أحب أن يرد لي الخدمة , فقام بالدفع للعامل عن سيارته وطلب منه أن يقوم بإعطائي البنزين أيضاً بذات المبلغ الأساسي والزائد , فتمت المهمة بعد عناء وانتظار ..!

 

اتجهت الى منطقة “باب شرقي” وباراتها في دمشق , مكملاً سهرتي محتفلاً بالإنجاز الكبير الذي حققته بعد جهد جهيد في بلاد باتت تسمى حقيقةً ب”بلاد الطوابير” والتي عليك أن تكون بطلاً خارقاً لتحيا بها ..!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.