التطبيع العربي الإسرائيلي : خيانة مع خالص الود. “برس361”

172

الكاتب السياسي والاعلامي / أنور قائد الشلفي/  

مستفزة هي عناوين الكثير من المسلسلات الهندية، منها على سبيل المثال لا الحصر مسلسل (العدو الحبيب) الذي يحكي عن قصة عشق ملتهب بين شرطية ورجل عصابات…

هذا وللأسف الشديد لا يحدث فقط في المسلسلات الهندية بل في الواقع العربي أيضاً، أما وجه الاستفزاز الهندي الذي أشير إليه هنا هو الإيحاء الغامض بإمكانية أن يصبح العدو حبيباً يستحق التضحية من أجله، أو على الأقل أن تبذل لأجله ما يكفل له حياة كريمة من ناحية إنسانية حتىّ لو كنت تبحث عن قتله لاحقاً باعتباره عدو، وفي هذا ورد عن السيد المسيح عليه السلام : ( أحبب عدوك) لكن الحديث عن السيد المسيح عليه السلام أجل شأناً من هكذا تفسير للتطبيع العربي مع الكيان الصهيوني – إسرائيل…

ولأن ما هو هندي ليس حصرياً بهم، فالعرب لديهم ما يكفي من تاريخ مستفز للاعصاب أكثر من اللازم مع عدوهم الأول (الكيان الصهيوني)، يبدو أن ليس آخرها التطبيع الإماراتي طالما دول مثل البحرين والسودان أظهرتا ميولا (جنسياسية) لممارسة التطبيع علناً.

المصيبة أني شخصياً كنت اضحك لدرجة البكاء على كل ما هو هندي، مثلاً إنتقام البطل من قاتل حبيبته بالرصاص بعد تدريبات رياضية عنيفة لاكتساب عضلات….
لكن عقب إعلان التطبيع الإماراتي يبدو أن السينما والدراما الهندية باتت مستفزة أكثر لا مضحكة وحسب، فهي تفضح الكثير من العلاقات التي كنا كشعوب عربية نراها مستحيلة أن تكون، بينما لكثير من الأنظمة السياسية العربية رأي آخر، وليت أن فقط من شر البلية ما يضحك.

****
بحسب موقع “الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل” يرد تعريف التطبيع على أنه : المشاركة في أي مشروع أو مبادرة أو نشاط، محلي أو دولي مصمم خصيصاً للجمع (سواءً بشكل مباشر أو غير مباشر) بين فلسطينيين وعرب أو عرب واسرائليين (أفراداً كانوا أم مؤسسات) ولا يهدف صراحة إلى مقاومة أو فضح الاحتلال وكل أشكال التمييز والاضطهاد الممارس على الشعب الفلسطيني…

ماذا لو أن التطبيع العربي بات علناً وليس فقط في أشكاله الكلاسيكية القديمة التي تضمنها التعريف الأكاديمي!؟…

توقيع معاهدتي السلام مع إسرائيل عام 1979م في عهد أنور السادات كان عقب اول انتصار عربي ضد إسرائيل في حرب العاشر من رمضان 6 أكتوبر 1973م، وتم إعتبار المعاهدتين تطبيعا علنيا خاصة بزيارة السادات للكنيست الإسرائيلي دون اشتراط السلام بحل القضية الفلسطينية لا قبل ولا أثناء توقيع المعاهدتين ولا حتىّ بعد الزيارة.

عام 1994م يوقع الأردن إتفاق سلام مع إسرائيل عقب عام واحد فقط من توقيع اتفاق أوسلو الذي ذهبت إليه منظمة التحرير الفلسطينية يتقدمها الرئيس ياسر عرفات مبتسماً أمام عدسات المصورين كأنما يقول : ليكن هذا الاتفاق بمثابة التطبيع فوراء الاكمة ما وراءها يا عرب…

و فعليا تم إعتبار التوقيع الأردني والمصري قبله شكلاً من أشكال التطبيع العربي الإسرائيلي في حل القضية الفلسطينية، أما إتفاق أوسلو فقد كان بمثابة الضوء الأخضر لإسرائيل في زيادة ممارساتها اللاإنسانية ضد أبناء الشعب الفلسطيني، الأمر الذي ذهب بمؤرخين ومفكرين سياسيين عرب وعالميين إلى القول بأن اتفاقات السلام ليست شكلاً من أشكال التطبيع العربي، وأن من فعلها من العرب فعلها لأسباب تخصه وحده هو بعيداً عن تحقيق السلام في فلسطين.

هكذا فهمت إسرائيل كل ما كان يندرج تحت تعريف (التطبيع) معها على أنه اعتراف بالصهيونية وحق الاستيطان لها أينما تشاء في أرض الأنبياء والزيتون (فلسطين) أو بحسب تعريف إسرائيل هي (أرض الميعاد) التي منحها الرب لأبنائه – حسب زعمهم – لشعب الله المختار، الذي ليس سوى اليهود حسب زعمهم أيضاً.

وفي الفترة ما بين الوعد المشؤوم (بلفور 1917م) وحتى موعد الاتفاقات السياسية العربية المصرية والأردنية لم تتردد كثير من الدول العربية في الذهاب مع إسرائيل إلى غرف التطبيع الحمراء، سواءً في وضح النهار أو تحت جنح الليل البهيم، فالمغرب بعد المساهمة في ترحيل اليهود من أراضيها إلى فلسطين كانت تمضي قدماً في سبيل الإعلان رسميا عن التطبيع مع إسرائيل، وهو ما حدث تاليا لتلحق بالركب تونس وقطر وغيرها….

مقاطعة إسرائيل وكل من يرتكب التطبيع معها نادت به أصوات سياسية عربية لولا أن لا حياة لمن تنادي، أو أن الضمير العربي فضل الاختباء بعيداً عن مقاطعة العدو تاركاً المجال للأصوات السياسية التي نادت بالمقاطعة، وفي هذا يأتي موقف الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين بمقاطعة وفضح كل الأنظمة العربية التي باعت القضية الفلسطينية بالتطبيع، ثم هناك موقف القذافي الذي عرف بلقب (السيوكباتي) اي المجنون السياسي أو المتهور سياسياً، فهو الآخر ذهب إلى اعتبار كل من يرتكب التطبيع مع إسرائيل خائن للعرب قبل أن يكون خائنا لقضية فلسطين.

المشهد السياسي العربي اليوم غير ما كان بالأمس القريب، وكل ما كان سراً طلعت عليه شمس الفضائح ليرى

على حقيقته عارياً بلا حياء.

آذار / مارس 2002م في القمة العربية في بيروت، الملك السعودي عبدالله بن عبدالعزيز يعلن عن المبادرة السعودية من أجل السلام مع كافة الدول العربية وإسرائيل شرط إنسحاب الأخيرة من كافة الأراضي المحتلة عام 1967م والجولان السوري المحتل، والعمل على تحقيق السلام الشامل في فلسطين وفقاً لما أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين بقرار رقم 194 وقيام دولة فلسطين مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية… هذه المبادرة تم اعتبارها ضمن قائمة التطبيع الأكثر حداثة، فاسرائيل حينها كانت قد تجاوزت مفهوم التطبيع السياسي إلى مختلف المجالات الاقتصادية والتجارية والرياضية والثقافية….

إسرائيل كان لها حضور مميز في مختلف المحافل والمناسبات الدولية إلى جانب العرب دون اعتراض العرب على مشاركتها، وربما هناك حوادث متفرقة في تاريخ الرياضة أعلن العرب (الفلسطينيين) فيها عن اعتراضهم الصريح على الحضور والمشاركة الإسرائيلية، لا أذكر منها حالياً سوى حادثة مقتل عدد من الرياضيين الإسرائيليين في دورة الألعاب الأوليمبية الصيفية في ميونيخ ألمانيا 1972م، نفذت العملية منظمة أيلول الأسود وكان مطلبها الإفراج عن 236 معتقلاً في السجون الإسرائيلية معظمهم من العرب بالإضافة إلى ضابط من الجيش الأحمر الياباني يدعى (كوزو اوكاموتو) وحسب ما تورده المصادر عن الحادثة فقد إنتهت العملية بمقتل 11 رياضياً إسرائيلياً و 5 من منفذي العملية الفلسطينيين وشرطي وطيار مروحية ألمانيين.

عدا عن هذا كله كانت أشكال التطبيع مع إسرائيل منذ تواجدها في خاصرة الأمة العربية والإسلامية بمختلف الأقنعة الاقتصادية وغيرها، منها مشاريع توريد الغاز الأردني والقطري 2016م إلى إسرائيل برعاية أميركية، وفي 2019م كان المشروع المصري في توريد الغاز الطبيعي المسال أيضا إلى إسرائيل بقيمة إجمالية بلغت 15 مليار دولار.

وفي مجال الاستخبارات والأمن وقعت أبوظبي عقداً مع الشركة السويسرية AGT international المملوكة لرجل الأعمال الإسرائيلي (ماتي كوتشافي) لشراء معدات مراقبة للبنية التحتية بما فيها منشآت النفط والغاز، وهي ذاتها الشركة التي عززت الإمارات بثلاث طائرات مسيرة لأهداف استخباراتية وأمنية في عملية عرفت باسم (عين الصقر) بدأ العمل بها رسمياً عام 2016م.

الرياض هي الأخرى دخلت نادي التطبيع العربي الإسرائيلي وإن لم تعلن عن ذلك صراحة كما فعلت الإمارات 2020م، لكن الموقف السعودي كان عام 2012م بالاستعانة بمجموعة من الشركات العالمية في الأمن السيبراني من بينها شركة إسرائيلية.

2019 م اتهم القائمون على تطبيق What’s App مجموعة NSO الإسرائيلية باستعمال تكنولوجيا بيغاسوس للتجسس لاختراق التطبيق بغرض مراقبة صحافيين وناشطين وحقوقيين، وبيع تلك التكنولوجيا للسعودية، وقبلها 2018م للإمارات باعت ذات الشركة تكنولوجيا قرصنة الهواتف النقالة، والهدف واضح في مراقبة الخصوم والمعارضين السياسيين.

خلاصة القول اللائقة عن العرب رواد نادي التطبيع مع إسرائيل هي تلك التي صرح بها الشاعر العربي مظفر النواب في إحدى قصائده الشهيرة :

القدس عروس عروبتكم
فلماذا يا أولاد القحبة ادخلتم كل زناة الليل على حجرتها
ووقفتم تسترقون السمع لفض بكارتها
وطلبتم منها أن تسكت

يا أولاد القحبة
هل تسكت مغتصبة!؟
*

وخلاصة القول للمرة الثانية على التوالي : التطبيع العربي مع إسرائيل، خيانة مع خالص الود.
*
إنتهى بلا سلام

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.