“اتفاق ابراهام”: إسماعيل على المذبح من جديد “برس361”

49

بقلم الكاتب السياسي / / سوريا 

وأخيراً أغمد حكام “اسبارطة العرب” سيوفهم ووضعت حربهم الطويلة والمريرة مع أوزارها بعد أن مرغوا أنفها بالتراب وأجبروها على “تعليق” -مجرد تعليق- قرار ضم الضفة الغربية، وهو إنجاز كبير سيضطر دولاً عربية أخرى في محاولة الحفاظ عليه -تبدو المنامة والخرطوم في سباق شرس على من يكون التالي- للسير على درب التضحية من أجل “سحب البساط من تحت أقدام المزايدين والمتاجرين بالقضية الفلسطينية على مدار عقود” كما وصف كاتب سعودي “إنجاز” الإمارات الأخير.
والحال فإن هذا “البساط” الذي يحكي عنه الكاتب السعودي نسجته أيد حكام الخليج الذين ما اتفقوا يوماً على شيء مشترك فيما بين مشيخاتهم إلا عليه، باعتباره الحامي الوحيد لكراسيهم المذّهبة والضامن لبقاء سلالاتهم حارسة لآبار النفط لصالح المالك الحصري القابع في البيت الأبيض الأمريكي.
ويبدو من لزوم ما لا يلزم إعادة سرد تاريخ العلاقات السرية بين حكام الخليج وإسرائيل، لكنّ اللحظة البارزة فيها هي لحظة اتفاق “المدمّرة كوينسي” بين عبد العزيز آل سعود وبين الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، حيث أهدر الأول دم مائة خروف ومعها الثروات العربية -ثم القضايا العربية- مقابل إسباغ الثاني حمايته التامة عليه، ولاحقاً على بقية “المشيخات” التي ورثتها واشنطن من لندن بعد أن غابت عنها الشمس، ومن حينها بدأ مسار متشابك من الأهداف المشتركة، كان أهمها، بعد فترة وجيزة، الالتزام بأمن الكامل والتام باعتبار أن الارتباط هنا غدا طردياً، ومصيرياً، بين وجود هذه المشيخات واستمرارها ووجود -الولاية الثانية والخمسين في الولايات المتحدة الأمريكية- وبقائها، ولاحقاً كشفت الوثائق الكثير عن عمليات التخادم المتبادل، بدءاً من محاربة مصر الناصرية في الستينيات، ثم كل مشروع استقلالي لاحق -وقصة نادي “السفاري” معبّرة هنا- وصولاً إلى دور حكام الخليج الكبير في اتفاقية “كامب ديفيد” ودفع السادات لزيارة القدس، وهذا ما قام به “كمال أدهم” رئيس المخابرات السعودية في السبعينيات، ثم مبادرة الملك فهد الاستسلامية، واللقاءات التنسيقية السرية في “هرتسيليا” وغيرها.
وبالطبع دخل إعلام البترودولار على الخط ليقوم بدوره في التضليل والتمويه واللعب بالمصطلحات وتغييرها و”خلق ادراك وهمي بالعالم الحقيقي” عبر أنسنة العدو في مقابل شيطنة المقاومة وتسخيفها واعتبار كلام المدافعين عنها والمنادين بها خشبي ينتمي إلى عصر “القومجية” الزائل و”مطحنة الكلام الفارغ وعموم تجار الكلام”، كما تسوّق وسائل إعلامهم، وفي الموازاة العمل على اختراع عدو آخر بصفة مذهبيّة لا يمكن مواجهته دون التحالف مع باعتباره عدواً مشتركاً للطرفين، والاستمرار في استضافة شخصيات إسرائيلية على وسائل الإعلام العربية ومنحها الكلمة الأخيرة في حال وجود نقاش مع ضيف عربي كي يرسخ في الذاكرة الشعبية ما تقوله وتدّعيه، ولنعترف أنها نجحت في صنع رأي عام متصالح مع التطبيع وجاهز له باعتباره المخرج الوحيد من هذا الوضع البائس الذي نعيشه، فما بين العرب وإسرائيل ليس إلا حاجزاً من الوهم كما يقول “كتّابهم” اليوم، ولنتذكر، كان اسمه عند السادات حاجز نفسي، ويكفي لهدمه، كما ظنّ، زيارة القدس، وهي الزيارة التي افتتح بها العرب عصر تنازلاتهم وأوصلت السادات إلى الموت مقتولاً في حادثة “المنصة” الشهير.
كل ذلك معطوفاً على الانهيارات العربية الكبرى التي حصلت في العقد الأخير جعل من السهولة بمكان أن ينتقل التطبيع من السريّة إلى العلنية، وبالتالي لا يمكن النظر إلى الاتفاقية الأخيرة بين الامارات وإسرائيل كحدث منشئ لأمر جديد بقدر ما هو كاشف عن مسار قديم، لكن التوقيت، وللأسف الشديد، كان ككل الخطوات السابقة لا يرتبط بضرورات عربية محضة، بل بضرورات العدو ومواعيده، فالإعلان جاء بتوقيت ترامب ونتنياهو معاً، ورمى لكلّ منهما طوق نجاة مما يعانيه من مصاعب داخلية. نتنياهو يرفعه بوجه منافسي الداخل باعتباره الوحيد الذي يجّر العرب إلى التطبيع دون التنازل عما يسميه حقوق التاريخية وضد مبدأ الأرض مقابل السلام الذي أقرته “مبادرة بيروت” الشهيرة. وترامب يريده رافعة انتخابية بعد أن هزمته جائحة “كورونا” وأدائه السيء في مواجهتها معطوفاً على الانعكاسات السلبية للجرائم العنصرية المتزايدة وموقفه المتواطأ معها.
بيد أن للإعلان وتوقيته دلالة أخرى، أشار إليها بعض الكتاب العرب، ويجب التوقف عندها، فقد كان من اللافت أن يتم ذلك بعد مأساة مرفأ بيروت الدامية، ليصبح السؤال التالي مشروعاً: هل تمّ “قتل” مرفأ بيروت في هذه اللحظة كي يصبح مرفأ حيفا مرفأ الخليج العربي الوحيد على البحر المتوسط خاصة وأن الامارات هي “مخزن” التجاري الكبير ؟؟!!.. ذلك سؤال نترك جوابه للأيام القادمة.خاتمة القول، أطلق ترامب على ما “ارتكبه” اسم “اتفاق ابراهام” كرمزية دينية للسلام باعتبار هذا الأخير أب الديانات السماوية الثلاثة، لكنه اتفاق، في مضمونه وتوقيته ومآلاته النهائية، يضع “” العربي مرة جديدة على المذبح، بيد أنّه، وكما في المرة الأولى، سيخرج حياً، لكن ذلك لن يكون إلا بعد فداؤه بـ”ذبح عظيم”، وهو، على ما يبدو، قدر “اسماعيلنا” الدائم..

برس361

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.