أي حكومة ينتظرون ؟ “برس361”

18

أي حكومة لبنانية ستعقب حكومة حسان دياب المستقيلة ، ستنال الفشل والسقوط مثلما كان مصير الحكومة الراحلة .
بتاريخ 5 ـ 12ـ 2019، حين تصدر سمير الخطيب قائمة الأسماء المفترض تكليفها بتشكيل حكومة ما بعد استقالة الرئيس سعد الحريري ، كتبتُ تحت عنوان ” سمير الخطيب أو غيره … الإنهيار مستمر “.
في التواريخ التالية كتبتُ ” لو كنتُ رئيس الحكومة ـ 17 ـ 7 ـ 2020 ” و ” رسالة إلى الرئيس حسان دياب ـ 14 ـ 6 ـ 2020 ” و ” هل اقتربت استقالة الحكومة اللبنانية ؟ ـ 10 ـ 6 ـ 2020 ” ، و ” لم تقنعني خطة الحكومة الإنقاذية ـ 1ـ 5 ـ 2020 ” ـ وفي المقالات الأربع مضمون واحد ينطوي على نتيجتين ” فشل ” الحكومة الحسانية ” واقتراب سقوطها.
وعلى ذلك ، لم أعر بالا لخطاب الإستقالة الذي ألقاه حسان دياب وقال فيه : ” منظومة الفساد متجذرة في كل مفاصل الدولة وهي أكبر من الدولة والدولة مكبلة بها ولا تستطيع مواجهتها “.
هذا الكلام ليس اكتشافا للبارود ، بل ينطبق عليه قول الشاعر:
وظل يقدح طول الليل فكرته / وفسر الماء بعد الجهد بالماء.
واقع الحال ، إن رئيس الحكومة المستقيل يقول إنه بعد سبعة أشهر من ترؤسه الحكومة اكتشف اجتياح الفساد للدولة وسيطرته على مفاصلها ، في حين أن أي لبناني لايحتاج السبعة أشهر تلك ، بل لا يحتاج إلى لحظة تفكير للقول إن الفساد يعصف عصفا بالدولة اللبنانية وقد أسقطها وأسقط اللبنانيين في قاع الإنهيار المالي والإقتصادي الخطير.
سبعة أشهر استغرقها ” العصف الفكري ” حتى قال حسان دياب قول الختام والرحيل : منظومة الفساد أكبر من الدولة .
هل هذا قول ينعي الدولة ؟ ينعي الحلم بالإصلاح ؟ ينعي الأمل بإحتمال خروج لبنان واللبنانيين من الإنهيار الفظيع ؟
لا يمكن تفسير قول رئيس الحكومة المستقيل خارج التساؤلات المطروحة آنفا، ومن خضم وتلاطمات هذه التساؤلات يبرز سؤال كبير : هل يمكن أن يأتي خلاص الإنقاذ عبر حكومة بديلة ؟ ومن هو رئيس الحكومة البديل ؟
لا إجابة قاطعة عن ذاك السؤال الذي يتوحد اللبنانيون على طرحه منذ شيوع حتمية استقالة حسان دباب ، ومع أن آراء محترمة ومعتبرة تفترض أن حكومة تصريف الأعمال قد يطول عمرها ، إلا أن هذا الإفتراض لا يلغي سؤال الرئيس البديل والحكومة البديلة .
وعلى ذلك ، لتكن الإجابة الإقتراضية أيضا على مستوى الواقع ، بتفاصيله ووعورته وصعوبته :
كل حكومة بديلة ، ستحظى ب ” شرف ” تأييد بعض اللبنانيين ، وب ” شرف ” معارضة بعضهم “، وفي حال تم جمع ” البعضين ” ، فإن ” البعض ” الثالث الموجود في حركة الإحتجاج ، قد لا يستهويه الإنخراط في المعادلة القديمة المتجددة المتخذة عنوان ” حكومة الوحدة الوطنية ” ، لكون قراءته ستستقر على إعادة إحياء المنظومة السياسية الذي يحتج عليها ويتمرد.
ووفقا لهذا المنظور، لن يتغير واقع الحال ، فالمحتجون سيبقون في الشارع ، وصورة المواجهات لن يطرأ عليها تعديل ، مما يعني المراوحة على خطوط التوتر والإضطراب ، وربما الفوضى .
ليس في القول جديدا ، حين يتضمن الإشارة إلى الثقة المفقودة بين القوى السياسية اللبنانية مجتمعة ، صحيح أن الإنقسام العمودي الذي تشظى به اللبنانيون إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري في عام 2005، زال أو تقلص إلى حد بعيد ، إلا أن الإنقسام الأفقي ورثه و تموضع مكانه ، بحيث بات النفور وانعدام الثقة والبغضاء والكيدية قواعد مستبدة بعلاقات القوى السياسية مع بعضها البعض ، وكل ذلك يطيح بأي احتمال قد يذهب إلى تصور تشكيل حكومة ” وحدة وطنية ” ، فمثل هذه الحكومة لن تكون سوى صورة مستنسخة عن حكومات يعرفها اللبنانيون حق المعرفة ويصنفونها بحكومات التنازع والتقاتل والتخندق المتبادل واللاتضامن الحكومي .
وعلى أساس تلك التجارب الحكومية الفاشلة والمرة ، قد يكون الطرح الآيل إلى تشكيل حكومة ” وحدة وطنية ” من أكثر الإحتمالات المثقلة بالمخاطرة والمغامرة ، لكونها مشهدا مستعادا لحكومات الوزراء المرقطين ـ المتقاتلين في اجتماعات مجلس الوزراء ، فضلا عن كونها مرفوضة من حركات الإحتجاج .
وأما الحكومة الحيادية ، وإذ هي تفوز برضا المحتجين ، فإنها لن تنال ثقة ” التقليديين ” مما يصعب بلورتها وتشكيلها .
إذا الحكومة الموسعة ستكون حكومة متقاتلين وعرضة للإهتزاز في كل لحظة ، والحكومة الحيادية مرفوضة ، وحكومة ” اللون الواحد ” من الصعب تكرارها ، ماذا يبقى؟
حين تستغرق عملية تشكيل الحكومة أشهرا وأسابيع ، وحين تتعطل عجلة الحكومة على رضا هذا الوزير أو ذاك الوزير ، وحين تكون التشكيلة الحكومية تقاسما وتحاصصا بين أطراف تتنازع على النفوذ ، وحين يفترض أهل السياسة أن حصولهم على هذه الوزارة أو تلك الوزارة انتصارا لم يسبقه انتصار ولا يوازيه انتصار ، وحين تأتي حكومة وتذهب حكومة وتبقى النفايات على حالها ، واللحوم الفاسدة على حالها وتلوث الأنهار على حاله ، والإنهيار المالي على حاله وانهيار المجتمع على حاله ، وانهيار الدولة على حاله ، وفي ظل كل هذه الإنهيارات لا نقرأ ولا نسمع ولا نرى برنامج إصلاح أو إنقاذ دقيق وتفصيلي قدمه أو صاغه أهل الحل والربط : كيف يمكن أن يصدق الناس أن الحكومة المقبلة بيدها زمام حبل الخلاص أو طوق النجاة ؟
ماذا يبقى للناس ؟
تبقى رحمة الله ارحمونا يرحمكم الله
الكاتب الدكتور /توفيق شومان / خبير شؤون شرق أوسط

برس361

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.