“جحا و الحكومة اللبنانية “

11

مرة ، تلقي مسؤولية الويلات المالية والإقتصادية في على الأفران والمخابز، ومرة على الصرافين ومحال الصيرفة .
قبل حين ، ألقت المسؤولية على اللحامين وبائعي اللحوم ، ومن يدري ؟ فقد تلقي في إحدى المرات مسؤولية الأزمة الإقتصادية على بائعي الخضار ، وربما على سائقي سيارات الأجرة .
توزع مسؤوليات الإنهيار على من ” يطلع ” في وجهها ، لكن أين مسؤولية في استمرار الإنهيار وغياب الإنقاذ ؟ لاتجيبنا حضرة عن هذا السؤال .
لنقرأ كيف نقل آثامه إلى زوجته.
قال الراوي :
كان يمقت زوجته ويهددها استمرارا بالطلاق ، فتمردت عليه ذات ليلة إثر عودته فجرا إلى البيت ، فانهارت باكية ورفضت أن تفتح الباب له ، فخادعها وحايلها ، وما أن فتحت الباب ، حتى رماها في الخارج وراح يصرخ عاليا ونادبا حظه الملعون مع زوجة تعود إلى بيتها في آواخر الليل ، فأقبل الجيران على صراخه ، وأجمعوا على ضرب الزوجة وإنزال اللعنات عليها وعلى سلالتها.
نجح في نقل المعركة من ميدانه إلى ميدان زوجته .
انتظرت الطبقة السياسية في حتى انهار كل شيء ، وكانت تلك الطبقة ” تظن ” أن المجتمع الدولي لن يسمح ب ” انهيارنا “، فذاك المجتمع مفتون بعشق ، وهذا ” الظن ” يأخذنا إلى حكاية ثانية من حكايات :
قيل إن ملكا كان مفتونا بإمرأة ، فتمنعت عنه وصدته ، فبات هائما بها ومخبولا ، فنصحه بتجنبها واعتزال غرامها ، فرفض الملك وأبى ، وحين أقنعها بالزواج اشترطت أن تضع سرجا على ظهره ولجاما على فمه وأن تركب ظهره وينهق بأعلى صوته ، فرضخ الملك العاشق لمبتغاها وبغيها ، إذ لم يجد إلى قلبها غير ذلك طريقا أو سبيلا.
هذه حالنا مع صندوق النقد الدولي
إنما كيف سيركب ؟ فذلك من علم ، التي لم تستدل لغاية الآن إلى فكرة تقودها إلى كيفية التعامل مع الدين العام ومع صندوق النقد ، تماما مثلما جرى مع وإبنه وحمارهما .
ماذا تقول الحكاية؟
كان وإبنه يركبان حمارا ، فأقبل عليهما قوم من الناس ناقدين لهما لعدم إشفاقهما على الحمار ، فنزل الإبن واستمر على ظهر الحمار ، وإذ بجماعة أخرى تعنف وتوبخ الذي لا يرأف بإبنه ويتركه ماشيا متعبا ، فنزل وصعد إبنه ، وإذ بجماعة ثالثة تقترب منهما فتلوم الإبن الذي يركب الحمار ويترك والده المسن ماشيا ، فما كان من وإبنه إلا أن حملا الحمار على أكتافهما .
كيف ستتصرف مع صندوق النقد الدولي ؟
الخشية والخوف أن يستيقظ اللبنانيون في يوم ما فيرون راكبين اثنين يعتليان ظهورهم : الدين العام وشروط صندوق النقد الدولي .
لم يشعر اللبنانيون بتبدل حال السحوبات المالية بين حكومة وأخرى ، بل إن ماضية في استكبارها واستحلابها لأموال الناس ، كأن ثمة من يرى بأن يتدبر الناس عيشهم ومعاشهم بعيدا عن أي دور للحكومة ، وبما يشبه الفصل بين الأدوار ، فالحكومة تتدبر أمر السياسة المجردة ( ما قيمة السياسة المجردة ؟) والناس يتدبرون أمر حياتهم وأيامهم ووقائعهم.
الحال على حالها، من السلف إلى الخلف
هذه يعيدنا إلى وحكايته الرابعة .
يقول الراوي :
جاء من يخبر بأن حريقا نشب في بيته ، فأجابه بأن هذا الأمر لا يهمه ولا دخل به ، فمنذ يوم زواجه اتفق مع زوجته ، أن شؤون الداخل بيدها ، وشؤون الخارج بيده ، والحريق شب في داخل البيت ، وهذا من شؤون الزوجة ، حيث لا شأن له ولا أمر .
يعني على الناس أن تتدبر شؤونها ولا تطلب من شيئا .
كل ما يسمعه اللبنانيون من أنها ” تفكر ” بكيفية الخلاص والإنقاذ ، وأما كيف ” تفكر” ، فلا فكرة لدى عن أفكار حكومتهم ، وهذا ما يستدعي حكاية أخرى لجحا .
قال الراوي :
وقف جحا خطيبا في جماعته فسألهم : أتعلمون ماذا سأقول لكم ؟ فردوا بصوت واحد : والله لا نعلم ؟ فقال لهم : إذا كنتم لا تعلمون فلماذا أقول لكم ما أعلم ؟ فتفرقوا عنه خائبين .
وفي مرة ثانية كرر وقفته خطيبا وسألهم : أتعلمون ماذا سأقول لكم؟ فردوا عليه مجتمعين : نعم إننا نعلم ، فقال لهم : بما أنكم تعلمون فلماذا أعلمكم بما أنتم تعلمون ؟ فارتدوا مرة ثانية خائبين .
هكذا هي حال ، لا يعرفون كيف تفكر ، وكأن ” أفكارها ” من عوالم الغيب والأسرار ، ومع ذلك يحلو للبنانيين ان يسألوا عن أموالهم المنهوبة ، وتكاد قصة هذه الأموال تصبح مثل قصة حكاية جحا وصوته.
ما حكاية صوت جحا ؟
كان جحا يغني في حانة ، وإذ به يقطع غناءه فجأة ويتأهب للخروج راكضا ، فأمسكه رواد الحانة وسألوه : ما أنت بفاعل ؟ فقال : أريد أن أعرف إلى أين يصل صوتي!!.
قصة صوت جحا مثل قصة الأموال المنهوبة ، فإذا عرف جحا مدى صوته وإلى أين وصل ، فسيعرف اللبنانيون كيف خرجت الأموال المنهوبة وإلى أين وصلت وأين هي .
وأما أموال المودعين في الداخل فلها حسابات أخرى ، وحتى الساعة ، لا يدري اللبنانيون مصير أموالهم في ، وهم ضائعون كما ضاع جحا بين يمينه وشماله.
تقول الحكاية :
استيقظت زوجة جحا في الليل ، فهامت على وجهها ، وارتطمت بهذا الجدار وذاك الجدار ، ثم صرخت بأعلى صوتها وقالت لجحا : أعطني السراج فهو على يمينك ، فرد جحا عليها بصراخ مماثل : كيف تريدين أن أعرف شمالي من يميني في هذا الليل البهيم ؟.
ضاع جحا في ليله ، وضاع اللبنانيون في لياليهم .
تبقى هذه الحكاية من حكايات جحا :
كان جحا في جنازة ، وسمع زوجة الميت تبكيه وتندبه قائلة : ياحسرتاه … يا ويلتاه … سيأخذونك إلى القبر بيتك الجديد ، حيث لا طعام ولا فراش ولا غطاء ، فهلع جحا وصرخ قائلا : أيريدون أخذ الميت إلى بيتي ؟!!!
هذه حال يا حضرة .
الكاتب الدكتور /توفيق شومان /خبير شؤون شرق اوسط /  

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.