إيران ـ السعودية : هل ينجح الكاظمي ؟

51

حين اغتالت الولايات المتحدة الجنرال قاسم سليماني في آوائل كانون / الثاني الماضي ، أطل رئيس الوزراء العراقي السابق من نافذة الحدث الجلل ليقول : كان الجنرال قاسم سليماني يحمل رسالة إيرانية للرد على رسالة سعودية هادفة لتحقيق انفراج في أوضاع المنطقة.
استحضر التاريخ شاهدا في جلسة للبرلمان العراقي في الخامس من الشهر ذاته وختم قائلا : للتاريخ أذكر ذلك.
لم تنف الرياض ولا طهران ما كشف عنه ، بل إن مستشار الرئيس حسن روحاني غرد مؤكدا ” أن سليماني كان يحمل بالفعل رسالة سعودية ” ، وفي الرابع من الشهر نفسه قال السفير الإيراني في بغداد : قاسم سليماني كان يحمل رسالة وساطة بين وإيران.
اغتيال الجنرال سليماني ، وعلى الرغم من دوافعه الأميركية المتعددة وعلى رأسها تموضعه عدوا ميدانيا أولا على ما درج الأميركيون قوله تكرارا ، فإن الإسرائيليين وجدوا في أحد أسباب اغتياله ما يتجاوز القيادة الميدانية ، وكتب كبير المحللين الأمنيين والعسكريين اليكس فيشمان في صحيفة ” يديعوت أحرونوت ” الإسرائيلية (10 ـ 1ـ 2020) : ” إن اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني ، جاء بهدف إحباط ومنع التقارب السعودي ـ الإماراتي ـ الإيراني “.
يقود ما تقدم قوله ، إلى سلوك طهران والرياض سياسة ” النوافذ المفتوحة ” بين حين وآخر ، غير أن الأميركيين إذا تم اعتماد رواية اليكس فيشمان ، يعملون على إقفال هذه النوافذ ، والتي على ما يبدو ، لم تكن نافذة واحدة ووحيدة أغلقها الأميركيون في مطلع السنة الجارية .
وفي قائمة هذه ” النوافذ ” المفتوحة والمقفلة ، يقال الكثير، على الأقل في السنوات الثلاث الماضية :
في السنة المنصرمة ( 2019 ) زار رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان طهران مرتين ، وفي المرة الثانية نقلت وكالة “مهر” الإيرانية عن المتحدث باسم الحكومة الإيرانية علي ربيعي قوله ( 11ـ 10 ـ 2019 ) ” إن رئيس وزراء باكستان قدم للحكومة الإيرانية رسالة من ولي العهد السعودي يطلب فيها الحوار مع طهران ، لكننا لا نرى أي دواع للحوار مع نيابة عن اليمنيين “، وبحسب بيان لوزارة الخارجية الباكستانية نشرته وكالة ” إرنا ” الإيرانية الحكومية (13ـ 10 ـ 2019 ) بأن ” زيارة عمران خان الى طهران تأتي في اطار المبادرة لتعزيز السلام والأمن بالمنطقة وبحث القضايا المتعلقة بالأمن والسلام في منطقة الخليج الفارسي وأهم التطورات الاقليمية “.
إن هذا الربط بين الحوار الإيراني ـ السعودي المفترض و ” العقدة اليمنية ” يرده أليكس فيشمان في مقاله المشار إليه آنفا بالقول : ” إن الاتفاق مع الحوثيين يفتح الباب على مصراعيه أمام مشاركة إيرانية في تشكيل حكومة وحدة في اليمن بمشاركة الحوثيين على غرار مشاركة حزب الله في الحكومة اللبنانية ” وهذا ما يرفضه الأميركيون .
الإشارات بإتجاه طهران ، كانت واضحة الملامح في الحوار الذي أجرته قناة CBS الأميركية في الثلاثين من أيلول / سبمتبر 2019، مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وقال فيه : ” إننا نفضل الحل السياسي مع ايران ومنفتحون على كل المبادرات السياسية لإنهاء الحرب في اليمن ” .
وفي التعليقات والتحليلات التي بثتها قناتا cnn الأميركية وbbc البريطانية في اليوم التالي على الحوار، مع ولي العهد لسعودي ، إجماع على وجود ” رسائل ” حوار بين الرياض وطهران ، وفي اليوم نفسه أدلى رئيس الوزراء العراقي السابق بحديث لقناة ” الجزيرة ” فأكد ” إنه يعتقد أن تبحث عن السلام والتهدئة ، وأن هناك استعدادا لتقديم تنازلات وفتح ملفات كانت مغلقة ” ، وأما علي لاريجاني رئيس مجلس الشورى الإيراني السابق فقال ل ” الجزيرة ” أيضا (1 ـ 10 ـ 2019 ) : ” إن ترحب برغبة في حل الخلافات عبر الحوار وإن أبواب مفتوحة لذلك ، والحوار السعودي ـ الإيراني يمكنه حل الكثير من مشاكل المنطقة الأمنية والسياسية “.
وقبل كل ذلك ، كان قاسم الأعرجي وزير الداخلية العراقية في حكومة ، صرح من العاصمة الإيرانية طهران (13 ـ 8 ـ 2017 ) ” إن طلبت من رئيس الوزراء العراقي ، ، التدخل للتوسط بين الرياض وطهران ” ، وعلى ما قيل آنذاك فإن الأعرجي تسرع واستعجل في تصريحه ، مما دفع الرياض إلى النفي الشديد عبر ” مصدر مسؤول ” قال ل ” وكالة الأنباء ” الرسمية إن ” المملكة العربية لم تطلب أية وساطة بأي شكل كان مع جمهورية ، وأن ما تم تداوله من أخبار بهذا الشأن عار من الصحة جملة وتفصيلا “.
منطق الأشياء يقول ، إن ما قاله الأعرجي لا يمكن أن يكون زلة لسان أو اندفاعة حماسة ، بصرف النظر عمن كان البادىء بطرق أبواب الوساطة المجهضة عام 2017، وكذلك الأمرأيضا ، إذ ليس من فراغ أتت ” شهادة التاريخ ” لعادل عبد المهدي بعد اغتيال قاسم سليماني ومعه ” الوساطة المغتالة “.
الآن إلى أين ؟
قبيل وصول رئيس الوزراء العراقي الحالي ، ، إلى طهران يوم الثلاثاء ( 21ـ 7 ـ 2020 ) ، كان مقررا أن يبدأ جولة خارجية من ، إلا أن الظروف الصحية للملك سلمان بن عبد العزيز حالت دون أن تكون الرياض محطة أولى لجولة الكاظمي ، فبدأها من طهران ، وسبق وأعقب الجولة المذكورة كثافة ” توقعات ” بإعادة إحياء دور الوسيط العراقي بين ايران والسعودية ، مثلما كانت الحال مع حكومتي وحيدر العبادي .
وعلى ما يبدو أن ” التوقعات ” ، ليست دخانا بلا نار ، وعلى الرغم من عدم صدور نفي أو تأكيد من الجانبين السعودي والإيراني حول وساطة عراقية محتملة للحوار على ضفتي الخليج ، فإن أسبقيات التوسط العراقي تعزز التوقعات وترفعها إلى مستوى المعقولية الشديدة ، وهذا ما يمكن ملاحظته في وسائل الإعلام الإيرانية المطبوعة ، ومنها هذه النماذج :
ـ صحيفة “سياست روز” ( 19 ـ 7 ـ 2020 ) : هناك أهداف اقتصادية من وراء زيارة الكاظمي للسعودية بالتأكيد , ولكن قد يكون الهدف الرئيسي القيام بوساطة ما, بين طهران والرياض خصوصا وأنه سيقوم بزيارة لإيران بعدها مباشرة.
ـ صحيفة ” ايران” ( 19 ـ 7 ـ 2020) : الكاظمي يسعى لإيجاد نوع من التوازن في علاقات العراق الخارجية , ومن هذا المنطلق يحاول تعزيز الجسور مع البلدان الرئيسية المحيطة بالعراق اي ايران وتركيا والسعودية ايضا والقيام بوساطات لتهدئة الأجواء ، ان علاقات ايران والعراق وطيدة تماما وترتكز على الوشائج والمصالح المشتركة , وبلادنا ترحب بجهود الحد من أجواء التوتر .
ـ صحيفة ” ارمان ملي” ( 20 ـ 7 ـ 2020 ) : الكاظمي يتوسط لتحسين العلاقات بين طهران والرياض .
ـ صحيفة ” جمهوري اسلامي ” ( 20ـ 7 ـ 2020 ) : من أسباب زيارة الكاظمي لطهران وساطة مع ، وجاء في عنوانها : وساطة.
ـ وكالة ” مهر ” ( 21ـ 7 ـ 2020 ) : قال المتحدث بإسم الخارجية الايرانية عباس موسوي في تصريح له أثناء تواجده ببغداد إن الكرة الآن في ملعب السعودية ولتحدد موقفها تجاه ايران ، مؤكدا أن الجمهورية الاسلامية مستعدة للتعاون والحوار مع جميع دول المنطقة ، وأشار الى أن تريد أن يكون الحوار في هذه الظروف بعيدا عن التدخل الأجنبي.
ـ صحيفة “الوفاق ” (21 ـ7 ـ 2020) : الكاظمي يؤكد على إنتهاج آليات شاملة لوقف التحديات في المنطقة ـ أكد رئيس الوزراء العراقي ضرورة التعاون بین الدول الإقليمية وصولا الى آليات شاملة لوقف التحديات والمشاكل التي تحوم بالمنطقة .
هذه الأجواء مع سوابقها ، من المستبعد أن تكون محصورة بالتوقعات ، ولكنها لا تدخل أيضا في باب الحتميات ، إنما ما يمكن قوله إن وميضا ما يخرج من العراق بفعل فاعل إسمه ، مثلما سبقه الفاعلان وحيدر العبادي .
لم ينجح عبد المهدي ولا العبادي ، فوميض كل منهما بهت وخفت قبل اكتمال نضوجه وظروفه ، لأسباب معلومة ومجهولة ، فهل ينجح حيث فشل الآخرون؟
هل ينجح الكاظمي ؟ هل الظروف ناضجة ؟ أم أن الظروف ما فتئت تعاكسه كما عاكست من كان قبله وسبقه ؟

الكاتب والمفكر السياسي :الدكتور توفيق شومان /لبنان /خبير شؤون شرق اوسط 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.