مابين تركيا وليبيا ؟!

15

في عام 1943، غدت خارج الإحتلال الإيطالي ، فهزيمة دول “المحور” في الحرب العالمية الثانية ، دفع بأركانها الثلاثة : ألمانيا ـ إيطاليا ـ اليابان ، إلى الإنسحاب من المستعمرات الممتدة بين الشرق والغرب ، وحين تم توقيع ” معاهدة الصلح ” مع ” دول الحلفاء ” في العاصمة الفرنسية باريس عام 1947، ورد في البند الثالث من المعاهدة : ” أن إيطاليا تتخلى عن جميع الحقوق في وأريتريا والصومال الإيطالي ، وأن مصير الممتلكات الإيطالية السابقة تقررها حكومات الإتحاد السوفياتي وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية وفرنسا “.
وإذ أحالت ” معاهدة الصلح ” مصير إلى الدول المنتصرة في الحرب الثانية ، فإن المعاهدة إياها ، أشارت إلى أن الأمم المتحدة تتولى صوغ هذا المصير في حال فشل ” الحلفاء ” في التوافق حوله.
آنذاك ، ستبرز إلى واجهة القضايا الإقليمية والدولية ، ما سيُعرف لاحقا ب ” المسألة الليبية ” ، وسوف تُصدر الإدارة السياسية في جامعة الدول العربية عام 1950 كتيبا في هذه الإطار عنوانه ” المسألة الليبية “.
سبق القول إن ” معاهدة الصلح ” نصت على دور للإتحاد السوفياتي في تقرير مصير ، ولما تحولت مناقشة هذا المصير ” إلى ” مسألة ” تم عرضها على الأمم المتحدة وقال مندوب عدنان كورال : ” إن التي تُعد إحدى دول البحر المتوسط معنية بشكل مباشر في التطورات الحاصلة في المنطقة “.
تلك ، كانت أولى مقدمات الصراع الدولي على ، و بالتحديد بين روسيا وتركيا ، أي في وقت مبكر من محاولات التوصل إلى نظام عالمي جديد في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية ، وفي ظل مناخات الإضطراب التي سادت تلك المرحلة وما رافقها من اتساع مساحات التباعد بين وروسيا السوفياتية ، تطلعت الأولى إلى إبعاد الثانية عن ، وبحسب ما يُنقل عن مدير عام وزارة الخارجية التركية قوله إنه في حال تعذر استقلال ، فستعمل قدر استطاعتها أن تُبعد الإتحاد السوفياتي عنها .
وإذا كان التطلع التركي نحو ، قد ارتسمت ملامحه مبكرا ، فالتطلع الروسي النظير ، ماثله في الإبكار ، وفي التقرير الذي قدمه أمين عام جامعة الدول العربية ، عبد الرحمن عزام ، إلى مجلس الجامعة بتاريخ 12 كانون الثاني / ديسمبر 1949 ” أن الروس يطالبون بالوصاية على طرابلس ليصلوا إلى ترضية في البلقان أو غيرها ، ولما طالبت روسيا بالوصاية لنفسها ، جاءت الولايات المتحدة وطالبت بوصاية الدول الخمس : فرنسا ـ بريطانيا ـ روسيا ـ ايطاليا ـ الولايات المتحدة ” ، وكما يقول عبد الرحمن عزام إنه قال ” لممثلي الولايات المتحدة إنه إذا كان ولا بد من الوصاية على ، فبين الدول العربية دولة رئيسها مسيحي وهي لبنان ، تستطيع الإضطلاع بالمهمة “.
قبل استقلال في آوخر عام 1951، كان ثمة اتجاه لتأخذ فرنسا إقليم فزان ، وبريطانيا تنال برقة ، وإيطاليا تفوز بطرابلس ، وحين استقلت البلاد موحدة بجهود الملك محمد ادريس السنوسي وبإسناد ملحوظ من مصر وجامعة الدول العربية ، كان على الدولة الحديثة أن تحدد دوائر سياستها الخارجية ، وإذ تقدمت مصر أولى هذه الدوائر ، فإن لم تكن مغيبة عن الدوائر تلك ، لا في العهد الملكي ، ولا في العهد الذي أعقبه بقيادة العقيد معمر القذافي عام 1969.
هنا بالضبط ، يتجه الحديث إلى ما يعتبره الأتراك ” قواعد انطلاق تاريخية ” ، نحو ، يتخذونها مبررات وذرائع لتدخلهم الراهن في الشأن الليبي .
ماذا في هذه المبررات ؟
قبل الإجابة ثمة مشهدان تاريخيان حضرت في مفاصلهما :
ـ الأول : أن الملك إدريس السنوسي كان في حين وقوع الإنقلاب عليه في عام 1969.
ـ الثاني : أن عارضت إسقاط نظام حكم العقيد القذافي عام 2011، واعترضت على تدخل ” الناتو ” في الأحداث الليبية ، وعملت على تغيير موقفها من نظام القذافي قبيل حسم مصيره بفترة قصيرة نسبيا .
هذان المشهدان ، تتخذهما ركائز لتدخلها في ” المسألة الليبية ” المستجدة ، حيث الأطراف الدولية نفسها التي أنتجت ” المسألة الأولى ” في اربعينيات القرن الماضي ، تتشارك في إنتاج ” المسألة الثانية ” من روسيا إلى بريطانيا إلى فرنسا إلى الولايات المتحدة إلى ، كأن التاريخ يعيد نفسه مرة أخرة ، بل مرارة أخرى على والليبيين ، بالأدوات نفسها وبالفاعلين أنفسهم ، ولكن هذه المرة بفعالية معدومة من جامعة الدول العربية .
ما الذي يستند إليه الأتراك في ” شبكة مصالحهم ” في ليبيا خلال عهدي الحُكم اللذين تعاقبا عليها منذ استقلالها ؟
تعود العلاقات التركية ـ الليبية إلى عام 1953، أي بعد سنتين من استقلال ليبيا ، وتم رفع هذه العلاقات إلى مستوى دبلوماسي عام 1954، وبما أن معظم الموازنة الليبية في سنوات بعيد الإستقلال كانت تأتي من الخارج ، فإن فرنسا وليبيا أسهمتا بحوالي أربعة في المائة من هذه الميزانية ، والولايات المتحدة بثلاثين في المائة وبريطانيا بخمسين في المائة.
نسبة المشاركة التركية في الموازنة الليبية ، دأب الأتراك على اعتبارها حضورا دائما في الواقع السياسي الليبي ، وهو أمر تبلور بتوقيع معاهدة بين الطرفين في المجالين الثقافي والإقتصادي عام 1958، بعد سلسلة زيارات متبادلة لكبار مسؤولي البلدين ، فقد زار رئيس الوزراء الليبي مصطفي بن حليم عامي 1954 و1957 ، وزار الملك السنوسي العاصمة التركية عام 1956، وزار رئيس الوزراء التركي عدنان مندريس ليبيا عام 1956 ، وتبعها الرئيس التركي جلال بايار بزيارة مماثلة إلى ليبيا عام 1958، وخلال هذه الفترة ، قفزت الصادرات التركية إلى ليبيا من 320 ألف دولار عام 1955 إلى 719 آلاف دولار عام 1960، وما بين الأعوام 1965 و1969، كانت تتصدر قائمة الدول المستوردة للنفط الليبي .
هذا التطور في العلاقات التجارية والسياسية بين ليبيا وتركيا ، سوف يأخذ منحى تصاعديا طوال مرحلة العهد الملكي ، وسوف يشهد قفزات كبرى بعد إسقاط الملك السنوسي ، ففي المرحلة التالية التي قادها العقيد معمر القذافي بعد عام 1969، ستتوسع دوائر العلاقات المذكورة لتشمل العلاقات العسكرية ، كيف ذلك؟
في الخامس عشر من تموز/ يوليو 1974، وقع انقلاب عسكري في قبرص أطاح بالرئيس مكاريوس ، وبعد أربعة أيام من الإنقلاب أعلن رئيس الوزراء التركي بولند أجاويد عزم بلاده على التدخل العسكري في قبرص ، ولقي هذا الإعلان موقفا ايجابيا من قبل العقيد معمر القذافي الذي صرح قائلا : ” نحن إلى جانب في قراراتها كافة “، وحين غزا الجيش التركي شمالي قبرص ، كانت الطائرات الحربية التركية تُقلع من المطارات العسكرية التركية فتنفذ مهامها في قبرص ثم تحط في مطار بنغازي الليبي متزدوة بالوقود وبإحتياجات أخرى ، ووصلت العلاقات بين الطرفين الليبي والتركي إلى حدود تمويل ليبيا لصفقات عسكرية تركية من بينها طائرات مقاتلة إيطالية الصنع .
إن هذه القفزة في العلاقات الليبية ـ التركية ، كان سبقها قفزة شبيهة في عام 1973 إثر أزمة أسعار النفط المندلعة في ذلك الحين ، فقررت ليبيا تزويد تركيا بالطاقة بأسعار مخفضة ، وهو أمر شهد تكرارا عام 1974، جراء فرض الولايات المتحدة حظرا على تركيا بسبب تدخلها العسكري في قبرص ، إذ عملت ليبيا والسعودية والعراق على سد النواقص النفطية التركية بأسعار تقل بنسبة كبيرة عن أسعار السوق العالمية .
بصورة عامة ، ستشهد العلاقات بين أنقرة وطرابلس خلال عقد السبعينيات الماضي تطورا نوعيا ، من وقائعه الزيارات المتبادلة ، فوزير المالية التركية دينيز بايكال زار طرابلس الغرب عام 1974 ، والرجل الثاني في ليبيا عبد السلام جلود زار انقرة عامي 1975 و1978، وعام 1975زار نائب رئيس الوزراء التركي نجم الدين أربكان العاصمة الليبية وكذلك وزير الخارجية التركية إحسان صبري ، وأعقبه في الأعوام التالية زيارات مكثفة لوزراء أتراك إلى ليبيا ، وفي عام 1979 زار رئيس الوزراء التركي بولند أجاويد طرابلس الغرب .
ومقابل هذا الخط البياني الإيجابي في مسار العلاقات الليبية ـ التركية ، ثمة ” نصف مفصل سلبي ” عام 1986، ففي ذلك العام ، اتجهت الولايات المتحدة إلى فرض حظر على ليبيا ، إلا أن تركيا رفضت الإمتثال لقرار الحظر معلنة أنها لا تضمر سوءا لا لليبيا ولا للولايات المتحدة ، إلا أن الموقف التركي من الهجمات الأميركية على ليبيا في نيسان / ابريل 1986 ، اعتبرته طرابلس الغرب رماديا وباهتا ، مما أنتج برودة وتراجعا في العلاقات الثنائية التي استعادت زخمها المتدرج بعد زيارة الرئيس التركي كنعان ايفرين إلى ليبيا عام 1987.
إن تتبع العلاقات الإقتصادية بين ليبيا وتركيا منذ سبعينيات القرن العشرين ، تفضي إلى القول إن ليبيا كانت تشكل أكبر الأسواق الإقليمية للصادرات التركية ، كما أن النفط والغاز الليبيين شكلا قاعدة أساسية من قواعد العلاقات المتطورة بين أنقرة وطرابلس الغرب ، وكانت تركيا مدينة بصورة شبه مستمرة لليبيا جراء عدم التزامها بتسديد الفاتورة النفطية حتى تسعينيات القرن الفائت ، ففي عام 1987 وصلت الديون الليبية المستحقة على تركيا إلى 800 مليون دولار أميركي.
في لوحة العلاقات الإقتصادية بين ليبيا وتركيا ، يمكن الإشارة إلى : عام 1977 إنشاء شركة مشتركة للنقل البحري ـ 1978 قرض ليبي لتركيا بقيمة مائة مليون دولار ـ 1981 توقيع بروتوكول اقتصادي ـ 1981 إقامة شركة تجارية برأسمال 100 مليون دولار ـ 1982 قدر الطرفان قيمة الصادرات التركية إلى ليبيا ب 500 مليون دولار ـ 1987 اتفاقية قضت بإستيراد ليبيا من تركيا زيوتا وملابس وسكاكر ومنظفات وثلاجات ومنتجات كيماوية ومواشي ومنتوجات أخرى .
وفي اللوحة الإقتصادية أيضا بين تركيا وليبيا : مصنع للإسمنت في مدينة ترهونة ـ مصنع لسماد الأمونيا في غرب تركيا أسمهت ليبيا بنسبة 23 من تكلفته المالية المقدرة ب70 مليون دولار ـ 1977 أعلنت تركيا عن التوصل إلى إقامة سبعة مشاريع صناعية مشتركة مع ليبيا بقيمة 570 مليون دولار ـ 1977 تأسيس شركة لصيانة السفن بمبلغ وقدره 40 مليون دولار ـ 1984 اتفاقيات مشتركة لإقامة مصانع ومعامل للأجهزة الكهربائية والأثاث المنزلي ـ 1988 مجموعة اتفاقيات لصناعة محركات وألكترونيات وصيانة آلات زراعية ـ اتفاقيات وبروكولات عدة طوال مرحلتي السبعينيات والثمانينيات لتطوير الزراعة وخطوط الكهرباء والإتصالات في ليبيا ـ عقود مختلفة في مجالات المقاولة والإسكان وتطوير المرافىء الليبية بمئات الملايين من العملة الصعبة ـ وحتى سنة 1986 وصل عدد الشركات التركية العاملة في ليبيا إلى 106 شركات ، العشرات منها وقعت عقودا بمئات الملايين من الدولارات ، وهذا السياق استمر بشكل أو بآخر طوال سنوات الحصار المفروضة على ليبيا بين الأعوام 1992 و2003.
إن تركيا ، ومن خلال تدخلها الحالي في ليبيا ، تحاول استعادة مشهدين ، الأول يرتبط بما تعتبره ” حقوق تاريخية ” في شبكة مصالحها في ليبيا ، والثاني يتعلق بمصير ” المسألة الليبية ” التي برزت بعد الحرب العالمية الثانية وأعيد إنتاجها بعد عام 2011 بالفاعلين والمؤثرين أنفسهم وإياهم .
الغائب الأكبر عن ” المسألة الليبية ” المستجدة هي جامعة الدول العربية ، وأغلب الظن أن دول الجوار الليبي ، والمقصود مصر وتونس والجزائر والسودان ، لو اجتمعت على كلمة سواء ، لكان حال ليبيا غير حالها الراهن ، فلا ينهشها الناهشون ، لا من موسكو ولا من أنقرة ، ولا من باريس ولا من روما ، وحتما لا من لندن ولا من واشنطن .
أقول ” لو ” … لكن هناك من سيقول : لا تنفع ” لو ” في السياسة .
مع ذلك من حقي أن أقول : ” لو” …

/خبير شؤون شرق اوسط / لبنان 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.