روسيا والصين والشرق الأوسط

47

قد يكون الأمير شكيب ارسلان ، أول المفكرين العرب الذين استشرفوا النهضة الصينية منذ آواخر القرن التاسع عشر، فرغم الواقع الصيني المأساوي والتخلفي آنذاك ، واحتمال أن يذهب الأوروبيون بالتشارك مع الأميركيين واليابانيين والروس إلى تقاسم نفوذا وأرضا ، فقد كتب سلسلة مقالات عن ” مستقبل ” في مجلة ” المقتطف ” المصرية ابتداء من العدد الصادر بتاريخ 1ـ 8 ـ 1900 ، وفي مقالته الأولى قال : ” نحن سنشرح العناصر الحية في باطن المملكة الصينية والأسباب التي بمثلها تقوم الدول وتستتب الأمم ، ولما كانت الصناعة من امهات العمران وبناء الأمم وما اشتهر به الصينيون من قديم الدهر ، فهي من أحيا عناصرهم وأسلم أعضائهم … إذ لا يمضي مدة بعد أخذ الأوروبيين للصين حتى يأخذ الصينيون جميع ما بأيدي الأجانب من الصنائع “.
في الخامس من آب / أغسطس 1949، كتب مندوب لبنان الدائم لدى الأمم المتحدة ، شارل مالك ، رسالة إلى الحكومة اللبنانية بعنوان ” تقرير في الوضع الراهن ” قال فيها : ” يجب أن نتعاون تعاونا وثيقا مع نهضات آسيا وخصوصا نهضات العالم الهندي … إن آسيا آخذة بالنهوض ، والدور الذي ستلعبه في السياسة العالمية آخذ بالإزدياد ، وهذا النهوض هو أقرب شيء إلينا ، وعلينا أن نستفيد منه إلى أقصى حد ، لا سيما واننا نحن آسيويون “.
هذه التعويل المبكر على نهضة آسيا من قبل شكيب ارسلان وشارل مالك ، سيأخذه المفكر المصري أنور عبد الملك إلى مستوى نظري وإيديولوجي رفيع من خلال كتابيه ” ريح الشرق ـ 1983″ و ” تغيير العالم ـ 1990 ” ، ويرى في كتابه الثاني أن المشروع الحضاري العربي و ” استراتجيتنا الحضارية العربية في قلب نهضة شعوب الشرق في عصر اندلاع ريح الشرق الذي يجمع بين صحوة حضارات شعوبنا الشرقية وعزمها على تأكيد مكانتها واستقلال قرارها “.
في الشرق الآن ، قوتان ناهضتان ، الهند والصين ، الأولى متأخرة عن الثانية وسلحافتية في حركتها ونهضتها ، تبقى وإلى جانبها قوة ” أوراسية ” هي بطموحاتها الإستراتيجية والإمبراطورية ، وهنا بيت القصيد في سؤال مطروح ومشروع : هل تتطابق استراتيجيات والصين في دول الإقليم ، والمقصود دول الشرق الأوسط؟
ثمة وجهتا نظر حيال ذلك ، واحدة تقول بأن ثقل التاريخ بين والصين ، يحول دون تقارب استراتيجيات الطرفين ، وأخرى ترى أن الصينيين والروس خرجوا من أثقال التاريخ وأعبائه .
كيف ذلك ؟
وجهة النظر الأولى ، تنطلق من زوايا العلاقات التاريخية المعقدة بين والصين ، وفي تلك الزوايا وقائع مشحونة بالخلافات والصراعات المتفجرة المقرونة بالأطماع الروسية بالصين ، ومنها :
تحفل المطبوعات العربية الصادرة في آواخر القرن التاسع عشر بما تسميه ” المسألة الصينية ” وخلاصتها التنافس الروسي مع كل من والولايات المتحدة والدول الأوروبية حول تقاسم النفوذ في أو تقسيمها بين الدول المتنازعة ، وعلى سبيل المثال أوردت مجلة “المنار ” التي كان يصدرها محمد رشيد رضا في القاهرة تقريرا مطولا بتاريخ 14 ـ 11ـ 1899، عن ” انشغال وانكلترا وسائر دول أوروبا الكبرى بالمسألة الصينية ، فروسيا تطمع بالصين الفيحاء البعيدة الأرجاء ، ولا بد لإنكلترا وفرنسا والمانيا من مزاحمة “.
وفي عددين متتاليين من “المشرق ” البيروتية كتب لويس شيخو (15ـ 8 ـ 1900 و 15 ـ 9 ـ 1900) عن ” والمسألة الصينية ” حلقتين تفصيليتين عن واقع وحروب القوى الكبرى عليها واحتمال تقسيمها ، وفي العدد الصادر بتاريخ 1ـ2 ـ 1903، أوردت ” المشرق ” أن وإنكلترا تحالفتا في العام الماضي على حفظ من كل تهديد ، وقررتا بقاء كوريا ومنشوريا تابعتين لمملكة ابن السماء ، ونيتهما بهذه المحالفة ، أن يتعرضا لروسيا في الشرق الأقصى ” ، ونظير ذلك كتب شكيب ارسلان في ” المقتطف ” في الأول من آب / أغسطس 1900 قائلا : ” الدولتان الكبيرتان اللتان في يدهما زمام المشرق ، وأعني بهما انكلترا وروسيا ، تجتهد في تخطيط منطقة نفوذ لنفسها في بلاد كي يكون لها مهد مملكة مستقبلية هناك ، ويسعى كل فريق في تأمين نصيب واف في هذه التركة الكبرى “.
وفي تاريخ الصراع الدولي على ، تتقدم الحرب اليابانية ـ الصينية عام 1894، لتسجل انتصارا ساحقا على ، أعقبه زحف روسي نحو مقاطعة منشوريا الصينية عام 1900، ولما رفضت الإنسحاب من منشوريا وتطلعت نحو التيبت أيضا ، تحالف اليابانيون و البريطانيون عام 1902 لصد التمدد الروسي في المملكة الصينية ، وبعد أقل من سنتين على هذا التحالف ، ستندلع الحرب اليابانية ـ الروسية ، مقفلة الستار عام 1905 على هزيمة روسية مدوية وانتصار عسكري صيني كبير.
لم تقفل حرب 1904 ـ 1905 بين واليابان ، نوافذ التفاهم بين الدولتين الكبيرتين على تقاسم النفوذ في ، فقد توصل الطرفان عام 1907 إلىتوافق على صوغ خرائط نفوذهما في منشوريا ، وفي عام 1910، تعهدا بالدفاع عن مصالحهما المشتركة في بعد اشتداد وطأة التدخل البريطاني ـ الفرنسي ـ الأميركي ـ الألماني ، وفي عام 1912، اتفقت واليابان على أن يكون للأولى الشطر الغربي من منغوليا ، وللثانية الشطر الشرقي .
وفي سياق الصراع مرة ، والتفاهم مرة أخرى على ، بين القيصرية واليابان ، فإن السوفياتية وريثة القياصرة ، لم تبد موقفا سلبيا من الغزو الياباني لمنشوريا عام 1931، إلا أن انضمام إلى الحلف الإيطالي ـ الألماني عام 1936، أفضى بالقادة السوفييت إلى التنديد بالتوسع الياباني ، وهو أمر استمر حتى نهاية الحرب العالمية الثانية ، حيث طرد الجيش الأحمر السوفياتي القوات اليابانية من مقاطعة منشوريا وغيرها من الأراضي الصينية .
وعلى ما غدا معروفا ، فإن انتصار الثورة الشيوعية في عام 1949، أدى إلى تقارب روسي ـ صيني غير مسبوق ، تمثلت ذروته عام 1950 بتوقيع اتفاقية ” الصداقة والدفاع ” بين الجانبين ، وأسهمت الحرب الكورية التي نشبت في العام نفسه برفع مستويات التقارب والتعاون إلى حدود إرسال عشرات آلاف المستشارين السوفييت إلى ، فنيون وعسكريون ، غير ان هذا التقارب سرعان ما راح يشهد تراجعا مضطردا منذ منتصف خمسينيات القرن العشرين ، ومع حلول عام 1959، انفجر الصراع العلني بين الإتحاد السوفياتي والصين على مصراعيه ، آخذا هذه المرة بُعدا إيديولوجيا ، كان يعبر عنه الصينيون بمقولتين : ” التحريفيون الجدد” و ” الإمبريالية السوفياتية “.
ومنذ مطالع ستينيات القرن الماضي ، بات الصراع بين الشيوعية السوفياتية والشيوعية الصينية عنوانا ومشهدا مألوفين من عناوين ومشاهد الصراعات الدولية المختلفة ، بل إن النقائض المتضادة استحكمت بمجمل العلاقات الصينية ـ السوفياتية ، فالإتحاد السوفياتي ساند الهند في حربها الحدودية مع عام 1962، والصين اتخذت موقفا معارضا للإتحاد السوفياتي وكوبا خلال أزمة الصواريخ الكوبية في العام عينه ، كما اعترضت على التدخل السوفياتي في تشيكوسلوفاكيا عام 1968 ، ولتشتعل الحدود الصينية ـ الروسية عام 1969 بمعارك كبرى كادت أن تتحول إلى حرب كبرى .
هذه النقائض في علاقات واستراتيجيات الطرفين ، ستنتج منذ آواخر ستينيات القرن المنصرم تقاربا صينيا ـ أميركيا ، ولتشكل زيارة الرئيس ريتشارد نيكسون إلى العاصمة الصينية بكين عام 1972 منعطفا تاريخيا في العلاقات الصينية ـ الأميركية بهدف تطويق النفوذ السوفياتي ، ومن مفارقات هذا الإنعطاف أنه بعد رحيل الزعيم الصيني ماو تسي تونغ عام 1976، سعى القادة السوفييت إلى تصويب علاقاتهم مع الصين ، انطلاقا من مقولة براغماتية تقول إن منظومة النزاع يُفترض أن ترحل مع رحيل أشخاص النزاع ، ولكنهم جوبهوا بصد صيني عنيد ، وجاء عام 1979 ليفتح جراحات جديدة بين موسكو وبكين إثر الغزو الصيني لفيتنام المجاورة ، مما عنى ، آنذاك ، أن أبواب المصالحة بين عاصمتي الرايات الحمر ما فتئت مقفلة.
من الواضح أن قرنا كاملا من الصراعات الثنائية العاصفة بين والصين ( بإستثناء سنوات سمان معدودات في خمسينيات القرن العشرين ) ، أنتج ثقلا نزاعيا تاريخيا انعكس على المرحلتين الملكية والشيوعية ، ولكن ابتداء من عام 1996 اتجه الطرفان إلى إعادة ترتيب أو تنظيم العلاقات البينية ، على قاعدة الخروج من ثقل التاريخ ، وفي العام المسبوق ذكره ، أطلق الرئيسان الروسي والصيني ، بوريس يلتسين وجيانغ زيمين ، نواة ” منظمة شنغهاي ” وفي عام 2001، باتت المنظمة كما تعرفها هيئة الأمم المتحدة ” منظمة حكومية مجال عملها في قضايا الأمن والتنمية الإقليميين ومكافحة الإرهاب والنزعات الإنفصالية العرقية والتطرف الديني ” ، ويفند راشد عليموف الأمين العام للمنظمة مهامها بالقول : ” تهدف منظمة شنغهاي إلى بناء نظام عالمي متعدد المراكز، وباعتبارها منظمة متعددة الجنسيات ومتعددة الثقافات ، فإن منظمة شنغهاي تسعى إلى إخماد صراع الحضارات في جميع مناطقها بالتحديد “.
إن الخروج من أثقال التاريخ ، مثلما فعلت ألمانيا وفرنسا بعد الحرب العالمية الثانية ، وعلى النحو الذي يعمل عليه الصينيون والروس ، دفعهم إلى الإتفاق على ترسيم أكثر من أربعة آلاف كلم من الحدود المشتركة ، وإقامة منطقة منزوعة السلاح على طول الحدود المذكورة عام 2004، وما بين الأعوام 1999 و2006 شكلت الواردات العسكرية الصينية ستين في المائة من مبيعات السلاح الروسية إلى الخارج ، وأجرى الجيشان ، الروسي والصيني ، تدريبات عسكرية مشتركة في عام 2018، وهي في عرف الجيوش ” الآمان المتبادل ” ، وجراء هذا التطور الملحوظ في العلاقات الثنائية ، توصلت روسيا والصين إلى إطار تفاهم ذي عناوين ثلاثة : لا تحالف ـ لا تعارض ـ لا توجه إلى دولة ثالثة .
ثمة عوامل أساسية تدفع لتطوير العلاقات بين موسكو وبكين ، أهمها :
ـ التأس

يس لعالم متعدد الأقطاب كما تنص ” منظمة شنغهاي “.
ـ تراجع التحديات الأمنية المتبادلة ، فبالنسبة لروسيا ، تقدمت هواجس الأمن من جانب أوكرانيا ودول البلطيق والحدود الغربية مع ” الناتو ” وكذلك من المجال الحيوي الروسي في آسيا الوسطى ومن ، فضلا عن التحدي الأميركي التقليدي ، وأما الصين ، فتحدياتها الأمنية المتقدمة ، متمحورة حول هونغ كونغ وتايوان وبحر الصين وفيتنام والهند ، بالإضافة إلى الحروب الإقتصادية مع الولايات المتحدة الأميركية .
ـ وصول الشراكة التجارية بينهما إلى 110مليارات دولار في عام 2019 كما أفادت وكالة ” سبوتنيك ” الروسية (9 ـ 4ـ 2020) ويطمح الجانبان إلى رفع هذه الشراكة إلى 200 مليار دولار في عام 2024.
هل يعني كل ذلك أن روسيا والصين خرجتا من أثقال التاريخ ؟
قد يكون من الصعوبة بمكان ، الحصول على إجابة قاطعة ، سالبة أو موجبة ، وربما تكون الإجابة المتحفظة تنطوي على حكمة مطلوبة في مرحلة التحولات العالمية الكبرى ، خصوصا أن أثقال التاريخ تترك نوازعها النفسية والعملية في عالم السياسة وموازين المصالح ، وهذا ما يمكن ملاحظته في آراء وكتابات بعض النخب الروسية المستمرة في إشهار هواجسها من الصين ، ومنها ما كتبه نيكيتا إيسايف ( غيبوليتيكا ـ 1ـ 11ـ 2017 ) تحت عنوان ” روسيا قد تدفع غاليا ثمن الصداقة مع الصين ” داعيا إلى ضرورة العمل بحذر شديد مع الشريك الأكبر في الشرق ، و كتب ألكسندر خارالوجني، في ” فوينيه أوبزرينيه ” بتاريخ 19 ـ 3ـ 2020 معلقا على حرب أسعار النفط بين روسيا والسعودية فقال : ” الصين دخلت حرب النفط إلى جانب خصوم روسيا ، للأسف، يظهر الرفاق الصينيون مرة أخرى أن من العبث والخطر اعتبارهم حلفاء لروسيا “.
بحسب المنطق السياسي ، من المحتمل أن تكون الآراء الآنفة الذكر ، متأتية من لحظة انفعالية أو كونها أصداء لتيار نخبوي روسي يعارض الإتجاه الأوراسي ، وإذا كان من الإستحالة أن تصطف النخبة الروسية وراء رؤية موحدة في تصورها لعلاقات روسيا الخارجية ، إسوة بالتباين النخبوي الموجود في دول العالم كافة ، إنما ما يجدر وضعه في دائرة الجدال والنقاش حول العلاقات الصينية ـ الروسية ، هاتين النقطتين :
ـ منذ عام 2017، تتحرك روسيا بإتجاه الغرب وأصدقائه لإعادة إعمار سوريا ، وإذ جاءت الإجابات الغربية لتربط المشاركة في إعادة الإعمار بالحل السياسي ، فإن روسيا لم تتجه نحو الصين ، علما أن الأخيرة تمتلك قدرات مالية هائلة تؤهلها لإعادة إعمار سوريا منفردة ومن دون الإستعانة بصناديق المال الغربية .
ـ تاريخيا ، لم يكن للصين موطىء نفوذ على البحرالأبيض المتوسط ، فيما تقاتل روسيا منذ 250 سنة للحفاظ على نفوذها المتوسطي ، وإذ شكلت سوريا منفذا روسيا على ساحل المتوسط منذ عام 1955، وتبعتها مصر في السنة نفسها بعد صفقة الأسلحة التشيكية ، ثم الجزائر إثر حرب التحرير الشعبية وهزيمة الفرنسيين عام 1962، ومن ثم ليبيا عام 1969 عقب الإنقلاب العسكري على الملك ادريس السنوسي ، فإن السؤال الناتج عن كل ذلك : هل يسمح الروس للصينيين بالوصول سلما إلى شواطىء المتوسط بعدما خاضوا حروبا ضروس ودفعوا أثمانا باهظة ليشاركوا السلطنة العثمانية وأوروبا ، ولاحقا ، الولايات المتحدة مواقع النفوذ في هذا البحر ؟
المتفائلون بتطوير العلاقات الصينية ـ الروسية ، يرون أن الظروف الحالية أنتجت معايير مختلفة عن أثقال الماضي ، والتحديات المشتركة التي تواجه روسيا والصين توجب الشراكة الإستراتيجية بينهما ، إلا أن هذه الرؤية التفاؤلية ، تقابلها رؤية متحفظة ، مضمونها ينهض على ثلاثة أسئلة :
ـ ما الذي يؤخر دعوة روسيا للصين لإعادة إعمار سوريا ؟
ـ هل تتقبل روسيا تموضعا صينيا تجاريا واقتصاديا على شواطىء البحر الأبيض المتوسط ؟
ـ هل خرج الروس والصينيون من أثقال التاريخ ؟ أم أنهم يعملون على إزالة هذه الأثقال فينجحون مرة ويخفقون في أخرى ؟
هذا الأسئلة للنقاش … أو مادة للنقاش .

الدكتور / /خبير شؤون شرق اوسط / لبنان 

 

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.