أزمة المحروقات  تعصف بلبنان. برس361

17

المعاناة من جرائها أكبر من أن تحتمل. الدعم لا يذهب إلى مستحقيه بل إلى جيوب المستوردين والتجار، الذين يشترون ، تحديداً، بالسعر المدعوم ويبيعونه في السوق السوداء. لكن، هل يُعقل أن لا يتمكن أحد من ضبط التفلّت بالسوق؟ ذلك خلق اقتناعاً عند البعض بأن الأمر متعمد وهدفه تحويل رفع الدعم إلى أمر واقع. إن حصل ذلك، فسيؤدي إلى تأثيرات اجتماعية واقتصادية قاسية. لذلك، لا بديل من اللجوء إلى الخيارات المؤجلة، وأولها رفع دعم الكهرباء عن الشطور العليا وتولي الدولة مهمة استيراد السلع الاستراتيجية

لم يعد ينفع الترقيع المطلوب حلول جذرية تنهي أزمة عنوانها الأساسي انهيار سعر صرف الليرة التي خلقت أزمات متلاحقة، لكن استيراد المواد الأساسية، ولا سيما والقمح والدواء، إضافة إلى المواد الغذائية الأساسية، كان أول تجلياتها. كي لا ينهار المجتمع تحت وطأة الارتفاعات الجنونية للأسعار، كان الحل في تأمين مصرف للاعتمادات بالسعر الرسمي للدولار، بالنسبة إلى القمح والمحروقات والدواء، ولاحقاً بسعر المنصّة الإلكترونية بالنسبة إلى مواد أخرى. تلك الآلية لم تنتظم يوماً، بالرغم من أن أول التعاميم صدر في الأول من تشرين الأول. فتح الاعتمادات للمستوردين كان يتأخر باستمرار.
آلية مصرف غير واضحة، تترافق مع طمع لا محدود للتجار، أسفرت عن انقطاع متكرّر للمحروقات المشغّلة لمعامل الكهرباء، وانقطاع متكرر لمادتي والبنزين المخصصتين للمستهلكين.

المأساة لا تزال مستمرة…
مع كل صباح أزمة جديدة تواجه الناس، ومنذ أيام اجتمعت المصائب معاً. أطفئت المعامل، فعمّت العتمة. ومع حرارة تخطت الأربعين درجة، لم يجد الناس ملاذهم بالمولدات، التي ذهبت بدورها إلى تقنين قاس، بسبب الانقطاع المستمر للمازوت. وفوق ذلك، انقطع ، فتجمّعت طوابير السيارات أمام المحطات التي لم تقفل أبوابها.
إلى متى؟ وكيف يمكن لهذا الانهيار أن ينتهي؟ حتى اليوم، الأزمة تستمر تجذراً، ما يفرض بالتالي اللجوء إلى خيارات أكثر جدية للحد من تأثيرها.

وبالنسبة للمازوت، الأمر مختلف تماماََ،
وما يزيد من الشكوك إلى قرار برفع الدعم هو لجوء تنظيمات سياسية ووجهاء مناطقيين إلى تخزين كميات كبيرة من ، بالإضافة إلى توجيهات سياسية للبلديات ببناء خزانات لتخزين . أضف إلى أنه سبق لوزير الاقتصاد أن طرح الأمر رسمياً، قبل أن يقفل الملف مؤقتاً.
هذا لا يعني أن آلية الدعم الحالية لا تحتاج إلى تصحيح، لكن التركيز على إلغاء الدعم بالمطلق يقود إلى اختلالات اجتماعية واقتصادية كلفتها أكبر من كلفة الدعم، وخاصة أن اتباع آلية  لدعم الناس مباشرة إن عبر القسائم أو الدعم المالي، يقود إلى حصر الدعم بالفئة الأكثر عوزاً، في حين أن الأثر الاجتماعي المرتجى من الدعم لا يتحقق من دون دعم الطبقة الوسطى، القادرة على تحفيز الاقتصاد، كي لا يتحول الدعم إلى دفع لأموال لا وظيفة اقتصادية لها.
وأيضاََ لا يعني ترك الأغنياء يتنعّمون بالمازوت المدعوم لتسخين برك السباحة في قصورهم شتاءً، أو لتشغيل يخوتهم. إذا لم يكن ممكناً، اقتصادياً، المواءمة بين حجب الدعم عن المقتدرين وبين توجيه الدعم لمستحقّيه من الطبقات الفقيرة والمتوسطة، فربما حان الوقت كيف يبدأ رفع الدعم عن الأغنياء في القطاعات التي يسهل ضبطها. منذ عشرين عاماً، تطرح مسألة رفع دعم الكهرباء عن الشطور العليا، لكن الحجة دائماً جاهزة: لا رفع للتعرفة قبل وصول التغذية إلى ٢٤ على ٢٤. وأكثر من ذلك، وربطاً بالوضع الراهن لا بأي أسباب عقائدية، ما الذي يبرر عدم إقدام الدولة على استيراد المواد الرئيسية، ولا سيما والقمح، مباشرة، بدلاً من ترك المهمة لتجار يستغلون الدعم لتعزيز أرباحهم؟

بالتزامن مع أزمة ، برزت أزمة بنزين وتوقفت بعض المحطات عن البيع بسبب تأخر الباخرة بالوصول لامتناع مصرف عن فتح اعتمادات جديدة. هكذا، أصيب المواطنون بالهلع وهرعوا الى المحطات لملء خزانات سياراتهم بالوقود، وهو ما ساهم في فقدان بشكل أسرع في بعض المناطق، وباكتظاظ على طول الساحل الشمالي من الدورة الى جونية، أمس. لكن الزحمة بدأت بالانحسار في ساعات ما بعد الظهر، على ما أكد نقيب أصحاب المحطات سامي البراكس، بعدما شهدت البلاد أزمة شديدة منذ يومين. «الحلحلة» هي نتيجة لوصول الباخرة المحملة بالبنزين وبدء عملية إفراغها لتوزيعها على ثلاث شركات: توتال وIPT وUni Terminal.
إذا كانت أزمة مرتبطة بتأخر فتح مصرف للاعتمادات (يتردد أنه كل ٤٠ يوماً يفتح اعتماداً للشركة المستوردة)، ما يُساهم في تأخير الشحنات والضغط على المحطات، فإن مسألة تأخذ أبعاداً مختلفة. كل سلسلة التوزيع من الشركات إلى الموزّعين إلى المحطات إلى بائعي المفرق يساهمون في تكريس السوق السوداء. لكن ما يعزز هذه السوق هو غياب الشفافية والرقابة. ليس صعباً أن تُعلن كل شركة كم تبيع يومياً من . وليس صعباً مراقبة طريقة التوزيع ووجهته. لكن مع ذلك، لا أرقام واضحة. في بيانات الأمن العام اليومية إشارة إلى «الإشراف على تسلّم شركات توزيع مادة من منشأتي النفط في طرابلس والزهراني، ومواكبة توزيع الكمية المسلّمة في كل المناطق اللبنانية». ذلك لم يمنع استمرار البيع في السوق السوداء. والواقع أن السعر الفعلي للمازوت لم ينخفض، منذ أكثر من شهر.

برس361

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.