محمد عبدالكريم الخطابي…. الثائر المغربي الذي اسقط رهانات الاسبان في معركة انوال 1921م.

119

… كان النصف الاول من القرن العشرين فترة استعمارية جثمت على البلدان العربية في المشرق والمغرب وظل الاستعمار البريطاني والفرنسي والايطالي والاسباني مهيمنا على هذه الاقطار حتى بداية النصف الثاني رغم الثورات العربية التحررية التي استطاعت ان تنتزع الاستقلال انتزاعا طوال اربعة عقود من الزمن.
الثورات التحررية التي حققت الاستقلال والحرية كان لها رموزها واعلامها الذين خلدهم التاريخ ففي المغرب العربي كان عمر المختار رمزا لثورة ليبيا وعبدالقادر الجزائري رمزا لثورة الجزائر والملك محمد الخامس رمزا لثورة المغرب لكن ثمة ثائر اخر قاد الثورة في شمال المغرب العربي هو محمد عبد الكريم الخطابي او مايعرف احيانا بعبد الكريم الخطابي الذي تحمل على عاتقه مسئولية مناهضة الاسنعمار الاسباني الذي تغلغل في الجسد المغربي منذ نهاية الحرب العالمية الاولى ولازالت مليلة شاهدة على ذلك حتى اليوم.
هذا الثائر المغربي العنيد الذي قهر الاسبان وكبح جماحهم يعرفه الاسبان جيدا لكن لايعرفه غالبية العرب حتى المثقفين منهم بل لايعرفه كثيرا من المغاربة رغم انه استطاع هزيمة الجيش الاسباني المنظم ومحاصرتهم في “معركة انوال الشهيرة” سنة 1921م ليقيم دعائم “جمهورية الريف” في شمال المغرب في 1923م.
* المولد والنشاءة:
ولد محمد عبدالكريم الخطابي في اجدير المغرب سنة 1882م وينتسب الى قبيلة بني ورياغل ويرجع نسبه الى الخطابيين بني بودشار من شرفاء الادارسة واحتلت اسرته مكانا مرموقا علميا وسياسيا في مناصب القضاء والقيادة في الريف الاوسط والريف الغربي’ تلقى تعليمه الاولي في اجدير ثم انتقل للدراسة في مدينة تطوان ثم مدرسة العطارين بفاس ثم انتقل الى مليله التي نال فيها شهادة البكالوريا الاسبانية ثم قفل راجعا الى جامعة القيروانيين بفاس للدراسة فيها واختتم دراسته الجامعية في مدينة شلمنقه الاسبانية التي درس بجامعتها القانون الاسباني ثلاث سنوات.
كانت مليله واقعة تحت الحماية الاسبانية فقد دخلها الاسبان في 1497م رغم انها في ارض مغربيه لذا كانت مدينة مالوفه لمغاربه الشمال في الريف تضم اسبان وعرب ومسلمين فبداء محمد عبدالكريم الخطابي مزاولته مهنة التدريس لصالح الساكنه المسلمه بين عامي 1913-1907م ومكنه تاهيله الجامعي واتقانه اللغة الاسبانية الى جانب اللغتين العربية والامازيغية من العمل كمترجم وكاتب بالادارة المركزية للشئون الاهليه بمليله في 1910م الى جانب العمل كصحفي بيومية تيليغراما ديل ريف الناطقة بالاسبانية بين 1915-1907م وعين في 1913م قاضيا وفي العام الذي تلاه قاضي قضاة بامر المقيم الاسباني كما عين معلما باكاديمية اللغتين العربية والريفية بمدرسة الشئون الاهلية بمليله.
* الثورة ومناهضة الاستعمار:
لكن على مايبدو ان الحروب تحدث متغيرات في الواقع المعاش دوما فقد شكل قيام الحرب العالمية الاولى في 1914م عاملا لهيجان القوى الاستعمارية فانعكس على اوضاعها في البلدان المستعمرة فقد سجن الخطابي بسجن كبالرزا في 1915م بايعاز من فرنسا التي اتهمته بالتخابر لصالح المانيا نتاج تعاطفه معها وحاول الفرار من السجن عدة مرات دون جدوى وكسرت ساقه في احدى المرات ثم اطلق سراحه بعد11شهرا ليعود لاستئناف عمله في القضاء بمليله وفي الوقت ذاته عمد الاسبان الى التغلغل في السواحل المغربيه الشمالية والذي كان محصورا في قواعد رئيسية حيث تم تكثيف التواجد العسكري ونشر قرابة 63000 جندي وتوسيع المواقع العسكرية على امتداد شمال المغرب والذي خلق معارضة من شيوخ القبائل في هذه المناطق لكن السلطات الاسبانيه لم تابه لذلك ومضت في مخططها الرامي الى خنق مناطق الوصاية ليخلق حالة من الرافض والتوجه لمناهضة هذا التوجه الجديد ونقل المناطق من حاله التقارب الى حالة التصادم مع الاسبان، فقد حصلت مضايقات في منطقة نفوذ الخطابي قبيلة بني ورياغل منها اعتقالات وترويع واشاعات بانبطاح الخطابي فشرع عبدالكريم الخطابي الاب في تعبئة القبائل وتمكن ب200مقاتل من محاصرة نقطة تفرسيت الإستراتيجية سنة 1920م لكنه توفي بعد 22يوما من الحدث ليتولى ابنه محمد الزعامة على القبيلة وعندما قرر الجنرال سيلفيستري التقدم على “خط سيدي ادريس_ انوال _ تفرسيت” عرضت على محمد عبدالكريم عبر وسيط فكرة تجهيز جيش ريفي يحارب فرنسا الى جانب اسبانيا و20مليون بسيطه مقابل السماح بالتوغل في عمق ريف المغرب لكنه رفض فاستمر سيلفيستري بالتوغل بهدف الوصول الى” خليج الحسيمه” وتمكن من انشاء قرابة 100نقطة مراقبة عسكرية منها دهار اوباران الإستراتيجية في 21يونيو 1921م فقام الخطابي بمهاجمة النقطة بصورة مفاجئة ب300مقاتل وقتل نصف الحامية الاسبانية واغتنم مدافع ومعدات حربية اسباتية فكانت اول ضربة للجيش الاسباني في الريف قوضت معنويات الاسبان في مناطق الحماية واعتبر الاسبان ان سيلفيستري اول جنرال اسباني يفقد مدافعه في شمال افريقيا.
وعقب هذه الحادثة تقاطرت القبائل الريفية على مركز قيادة الثورة وارتفع عدد جيشه الى 100الف مقاتل من بني ورياغل وتمسمان وبني توزين وبقيوة وغيرها فتمكن من توحيد صفوف القبائل وتوحيد قوتهم نحو العدو الاسباني فحقق نصرا اخرا في سيدي بيبان فقد فيه الاسبان 214جنديا ثم شكل مجلسا قبليا لجمع شمل القبائل، وفي انوال نقطة التجمع الرئيسية للقوات الاسبانية دارت رحى “معركة انوال” الشهيرة في 2مايو 1921م انهزمت فيها قوات الجيش الاسباني المنظم امام قبائل الريف الثائرة المسحه بالبنادق فقط فكانت ضربة قاصمه اسقط بها رهانات الاسبان ومقولة الجنرال سيلفيستري بانه سينتصر على الريفيين ويدخل منزل الخطابي.
….. وفي 18سبتمبر 1921م اسس الخطابي “جمهورية الريف” التي تضم مناطق ريف المغرب معلنا استقلالها عن الوصاية الاسبانية وتم تشكيل حكومة وبرلمان في 1فبراير 1923م وقد استمرت حتى تم حلها من قبل القوات الفرنسية والاسبانية في 27مايو 1926م حيث دخلتها بقوات مشركة تضم حوالي 50000جندي..
قال خير الدين الزركلي في كتابه” الاعلام ” واحتل الخطابي شفشاون وحاول احتلال تطوان وارسل من يهدد فازة وقدر جيشه بمائة الف مقاتل وانشاء جمهورية الريف فخاف الاسنعمار الفرنسي من امتداد الثورة الى داخل المغرب حيث الحماية الفرنسية فتحالفوا مع الاسبان للقضاء عليه.”
بعد سقوط جمهورية الريف واصل الفرنسيون والاسبان تقدمهم صوب مناطق الريف واستخدموا كل انواع الاسلحة بما في ذلك الاسلحة الكيماوية والاسلحة المحرمة دوليا وكانت الطائرات الاسبانية تلقي غاز الخردل على المناطق التي تدكها المناطق فاضطر الخطابي للاستسلام في 25مايو 1926م حيث قاد فرسه الى داخل معسكر الفرنسيين معلنا الاستسلام فتم وعده باطلاقه بعد استقرار الاوضاع لكنهم لم يفوا بذلك الوعد وتم نقله وعائلته الى “جزيرة رينبون” في بحر الهند ليظل 20عاما في المنفى ثم تقرر في عام 1947م نقله الى فرنسا وعند وصول السفينة الى السويس هيى شباب مغاربة له النزول بطلب اللجوء السياسي الى مصر والذي استجاب له الملك فاروق.
….. طويت بذلك مرحلة النضال للثائر العظيم لكنها لم تطوى كليا فقد ظل طوال بقائه في مصر داعما للثورات العربية مناديا باستقلال المغرب العربي من الاستعمار حتى وفاه الاجل بازمة قلبيه وتوفي بالقاهرة في 6/فبراير /1963م _20/ رمضان/ 1382هـ..ودفن بمقبرة الشهداء بالقاهرة.
يعتبر الخطابي رجل سياسي وقائد عسكري من اهم قادة الحركات التحررية في النصف الاول من القرن العشرين استلهمت سيرته العديد من الحركات التحررية العالمية ضد الاستعمار واطلق عليه عدد من التسميات منها بطل الريف. اسد الريف.. امير الريف ، وللدكتور جلال يحي كتاب “عبد الكريم الخطابي”.
المؤرخ والباحث: خالد أحمد السفياني / اليمن 

خاص  برس361

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.