لبنان إلى الحضن الصيني.. ماذا عن الفرقاء في الداخل؟

150

 

فرضت التطورات المتلاحقة في لبنان والأزمة الاقتصادية الخانقة، الساسة في لبنان إلى البحث عن خيارات جديدة تمكن البلد من النهوض مجدداً، ومع أن الحكومة اللبنانية بقيادة الرئيس حسان دياب أخذت قراراً بالتوجه إلى البنك الدولي للاستدانة وتغطية العجز المالي الكبير، إلا أن الضغوط الأمريكية والإقليمية جعلت من هذا الخيار صعب المنال حالياً، الأمر الذي أعاد فكرة التوجه شرقاً إلى واجهة الخيارات المطروحة وبالتحديد الصين، حيث نقلت مصادر متقاطعة أن الرئيس حسان دياب لديه الرغبة في المضي بهذا الخيار الاستراتيجي، المهم أن يصل إلى الدعم إلى لبنان ويتم إنقاذه من المحنة التي فيها، ولكن أمام ذلك صعوبات عديدة فهل تنجح هذه المساعي في كسب ود بكين في هذه المحنة الكبيرة، وهل ستسمح الولايات المتحدة وفرنسا بذلك، ماذا عن باقي القوى اللبنانية في الداخل هل تقبل بأن تجرد من ورقة قوة تتسلح بها مع كل أزمة داخلية في بلاد الأرز؟.

موقع مميز

يشكل لبنان بموقعه الجيوسياسي المهم، مركز جذب مهم للكثير من الدول الراغبة بموطئ قدم على المتوسط، بداية من فرنسا مروراً بالولايات المتحدة وروسيا وليس انتهاءً بالصين، هذه الأخيرة التي ترى لبنان في ظل الأوضاع السياسية التي تعاني منها المنطقة المكان المناسب ليكون مركزاً كبيراً لمشروعها الحزام والطريق على المتوسط، فسورية تعاني من أزمة مستمرة منذ تسعة سنوات وهي غير قادرة حالياً على تلبية الشروط الصينية، وكذلك الأمر ينطبق على “إسرائيل” التي كان من المقرر أن يكون ميناء حيفا مركزاً حيوياً ولكن بسبب الفيتو الأمريكي المستجد والرافض لأي تعاون “إسرائيلي – صيني ” حيث ترجم ذلك بزيارة سريعة لوزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو رفع فيها البطاقة الحمراء بوجه مشاريع صينية عمالقة في كيان الاحتلال، مما ضيق الخيارات أمام بكين، وجعل من لبنان وجهة مناسبة.

لماذا لبنان؟

على الرغم من كل الظروف التي يعيشها لبنان ولا سيما السياسية والاقتصادية والخلاف المستمر بين القوى السياسية وأحياناً تعطل الحكومة لفترات طويلة بفعل عدم الاتفاق على تقاسم الحصص الوزارية والمناصب في المؤسسات المختلفة، إلا أن البنية التحتية والتشريعية والأهم السوق المالية اللبنانية تسمح بأن للصين بالتحرك والقيام بكل المشاريع المطلوبة لمشروعها الحزام والطريق، حيث تؤكد التقارير أن إدارة المشروع وضعت عينها على ميناء طرابلس في الشمال اللبناني ليكون المركز الرئيس على البحر المتوسط والاستفادة من منطقة البقاع لإقامة المشاريع العملاقة وربطها بالعاصمة بيروت بشبكة ميترو وغيرها من التجهيزات اللوجستية التي تضمن نجاح اختيار الهدف المنشود كمحطة مهمة على طريق الحرير القديم الجديد.

تطور مستمر

لقد حظي التبادل التجاري بين البلدين بأهمية كبرى منذ بداية علاقاتهما، حيث كانت أولى الاتفاقيات الموقعة بين البلدين عام 1955 هي الاتفاقية التجارية، وذلك قبل ما يقرب من 17 عاما من إقامة علاقاتهما الدبلوماسية عام 1972 وهو ما جعل من الصين الشريك التجاري الأكبر مع لبنان، حيث بلغت قيمة الصادرات الصينية إلى لبنان عام 2017 نحو ملياري دولار (أي ما يمثل نحو 10 في المائة من إجمالي الواردات)، بينما بلغت قيمة الصادرات اللبنانية إلى الصين نحو 464 مليون دولار (11.5 في المائة من إجمالي الصادرات)

وفي بداية عام 2016 تم إطلاق مشروع “بيروت إلى بكين” وذلك ضمن هذه المبادرة، حيث هدف هذا المشروع إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية والسياحية بين البلدين، وقد عقدت أولى فعاليات هذا المشروع بالعاصمة الصينية بكين، خلال الفترة 15 – 29 يوليو 2016، وذلك بالتزامن مع ذكرى مرور 45 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما، حيث تم خلالها تنظيم كثير من الأنشطة منها: مهرجان التذوق اللبناني، ومعرض للشركات، ومؤتمر للأعمال، إضافة إلى برنامج ثقافي، وتشارك فيه أهم وأكبر الشركات اللبنانية في كل القطاعات، وتتضمّن قطاعات النبيذ، وزيت الزيتون، والمعلبات، والمكسرات، والألبان والأجبان، والشوكولاته، والشركات القانونية، والشركات الاستشارية، وشركات الصيرفة، والنقل.

خطوات متسارعة

كما ويشكل التعاون الصيني اللبناني جزء مهماً من التعاون الجماعي الصيني العربي لبناء الحزام والطريق، وقد وقعت الحكومتان الصينية واللبنانية مذكرة تفاهم حول التعاون في بناء الحزام والطريق عام 2017. رحب فيها الجانب الصيني بمشاركة الجانب اللبناني في بناء الحزام والطريق مؤكداً استعداده لتعزيز التنسيق السياسي وتعميق التعاون العملي مع الجانب اللبناني في مختلف المجالات لتحقيق المنفعة المتبادلة والكسب المشترك، التعاون المالي والمصرفي بين البلدين، كما شهد شهر سبتمبر (أيلول) 2017، التوقيع على مذكرة تفاهم بين لجنة الرقابة على المصارف في لبنان وهيئة الرقابة المصرفية الصينية، واختيار بيروت مقرًا لممثلية المجلس الصيني لتشجيع التجارة CCPIT (China Council for the Promotion of International Trade)، وذلك في مطلع عام 2018، وفي نيسان  2019 كان موعداً مهماً في مسار العلاقات الصينية اللبنانية، إذ شهد افتتاح فعاليات منتدى “الاستثمار الصيني-اللبناني” بالعاصمة اللبنانية بيروت، بدعم مباشر من بنك التنمية الصيني، بالتعاون مع اتحاد غرف التجارة والصناعة والزراعة اللبناني، والمجلس الصيني لتعزيز التجارة الدولية، والأهم أن المنح التي تقدمها الحكومة الصينية أو القروض الميسرة التي تقدمها عبر مصارف السياسات الصينية لا يرفق بها أي شرط سياسي. وهذا ما سيسهل كثيراً على الجانب اللبناني الاستفادة من القروض الصينية في ظل الشروط التي تضعها الدول المانحة بوجود حزب الله، والتي كان آخرها حرمان وزارة الصحة اللبنانية دعماً من صندوق النقد الدولي لوجود الوزير حسن حمد المحسوب على حزب الله.

كما شهدت العلاقات بين الطرفين انضمام لبنان إلى البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية (AIIB) في يونيو (حزيران) 2018، وذلك بعد موافقة مجلس محافظي البنك على الطلب الذي كان مقدمًا له. والتوقيع أيضاً على مذكرة تفاهم حول «الترويج المشترك للتعاون في إطار الحزام الاقتصادي لطريق الحرير ومبادرة طريق الحرير البحرية للقرن الواحد والعشرين» في سبتمبر (أيلول) 2018، وفي ذات السياق، تم التوقيع على اتفاقيتين للمنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس مع غرفة التجارة الصينية ومنطقة نينشوان التكنولوجية، ما يعني أن شكل التعاون الصيني اللبناني جاهز وبكل المقاييس لبدء بتعامل أكبر بين الطرفين.

مواقف الأفرقاء

مع تطور الأزمة التي يعاني منها لبنان ولاسيما على الصعيد الاقتصادي، طرح أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله في إحدى إطلالاته التلفزيونية خيار التوجه شرقاً نحو الصين في ظل الرفض المستمر غربياً لأي مساعدة مشروطة بخروج الحزب من السلطة التنفيذية اللبنانية، دعوة لاقت قبولاً لدى البعض ورفضاً علنياً من البعض الآخر، فمثلاً رئيس حزب القوات الدكتور سمير جعجع يرى أن لبنان يجب أن يبقى قريباً من الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج العربي، وهو يرى أن فكرة التحول شرقاً نحو إيران والصين وروسيا يعني تحقيق أهداف حزب الله في لبنان لذلك فهو يعارضها، فيما كان رئيس التيار الوطني الحر أكثر وضوحاً عندما قال لصحيفة الجمهورية : “انتهاء خيار صندوق النقد يعني أنّنا سنضطّر للتوجه للشرق، ومن قال أن هذا هو خيارنا؟ هذا لا يكون إلاّ إذا فرض علينا ولم يبقَ لنا خيار. هذا لا يعني إنّنا لا نريد أن نتعامل مع الشرق ونبقي على تعامل أوحد مع الغرب! ولكن أيضاً لا نريد بخيارنا إدارة ظهرنا للغرب”. وأضاف: “لبنان بلد التلاقي والانفتاح والتوازن، ونحن نريده أن يبقى كذلك بتوازناته الداخلية والخارجية نريده مزروعاً في شرقه ومتفاعلاً مع محيطه القريب والبعيد بالكامل، ولكن وجهه باتجاه الغرب هكذا هو لبنان، هكذا رسمه الأوائل، هكذا ورثناه وهكذا نريده أن يبقى”، فيما كان رئيس الحكومة حسان دياب الأكثر تحمساً للذهاب نحو الصين، لسبب وحيد انه يريد أن يحافظ على حكومته على قيد الحياة، فالدول الغربية والعربية أدارت ظهرها للبنان، وبالتالي فإن خيار التوجه شرقاً نحو الصين هو طرق النجاة لحكومته، ولكن هل تسمح واشنطن بذلك.

فيتو أمريكي

لاشك أن الولايات المتحدة الأمريكية ترى في التوجه اللبناني نحو الشرق هو خسارة كبيرة لها في شرق المتوسط، فهي ترى أن لبنان منذ أحداث الثمانينات وفي ظل الحكم السياسي الذي كُرس بعيد اتفاق الطائف والوصاية السعودية الكبيرة على بيروت من بوابة الحريرية السياسية، فمن غير المسموح المضي بهذا الخيار حتى لو أدى ذلك إلى تفجير البلد، وقد رأينا مثلاً الفيتو الموضوع على الشركات الصينية في ملفات الكهرباء وحتى المجال النفطي والغازي رغم الاهتمام الصيني، ورغم أيضاً كل التسهيلات التي تقدمها بكين مالياً، ومن جهة ثانية فخروج بيروت من العباءة الغربية والتحاقها بالدول الشرقية وفي مقدمتها الصين وإيران وروسيا، يعني بقاء حزب الله قوياً وبعيداً عن الضغوط الأمريكية التي لا تنفك تظهر في كل مشكلة تمويل للبنان من خلال الشروط التي تفرضها لإقصاء الحزب من الحياة السياسة اللبنانية، ومحاولة تأليب الرأي العام اللبناني عليه في حال فشلت عمليات التمويل، وهذا غير موجود لدى الجانب الصيني الذي يطلب شروط ميسرة والأهم لا تدخل في الجانب السياسي الداخلي.

أخيراً

على الرغم من كل الاختلاف والاعتراض لدى بعض القوى اللبنانية على الورقة الأخيرة التي في جيب الرئيس حسان دياب وهي التوجه نحو الصين، فإن الخيار المطروح ورغم مراراته لأنه طرح  من بوابة حزب الله، إلا أنه يحمل في طياته فرصة ممكنة للبنان للخروج من أزماته الاقتصادية والاجتماعية، وبدلاً من أن يكون دائماً مستديناً متوسلاً لعواصم الأوروبية لكي تعقد مؤتمر للمانحين، فالبنية التحتية والبيئة الاستثمارية والاقتصادية المغرية للصين ستجعله بلداً منتجاً وقادر على تلبية متطلباته المعيشية دون الالتفات إلى الديون، فهل يعجل السياسيون في الاتفاق على هذا الخيار ، أم أنهم سيبقوا أسيرين ارتباطاتهم الدولية والإقليمية والتي لا ترى في لبنان إلا بلداً ضعيفاً.

خاص : برس 361ْ

 

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.